تحليل

الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية.. بين الأمن الدوائي والسيادة الصحية

حسن صبوري (خبير بالصحة العمومية)
لم يعد الدواء في عالم اليوم مجرد منتج طبي يستعمل لعلاج المرض أو الوقاية منه، بل أصبح أحد مكونات الأمن الصحي للدول وعنصرا يرتبط بقدرتها على حماية السكان وضمان استمرارية خدماتها الصحية في الظروف العادية والاستثنائية. وقد كشفت جائحة كوفيد-19 أن توفر الأدوية واللقاحات والمنتجات الصحية لا يرتبط فقط بالقدرة المالية على اقتنائها، وإنما كذلك بامتلاك منظومة وطنية قادرة على الإنتاج والتنظيم والتخزين والتوزيع والاستجابة لاضطرابات سلاسل الإمداد الدولية. ومن هذا المنظور، يكتسب إحداث الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية أهمية تتجاوز مجرد إعادة تنظيم إداري للقطاع، لتصبح جزءًا من التحول الذي تعرفه حكامة المنظومة الصحية المغربية. وقد جاء إحداث الوكالة في سياق الإصلاح الشامل للمنظومة الصحية الوطنية، الذي أطره القانون-الإطار رقم 06.22 المتعلق بالمنظومة الصحية الوطنية الصادر سنة 2022، قبل أن يصدر القانون رقم 10.22 المتعلق بإحداث الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية بموجب الظهير الشريف رقم 1.23.54 بتاريخ 12 يوليوز 2023. وقد منح هذا القانون الوكالة صفة مؤسسة عمومية تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي، وأسند إليها اختصاصات واسعة في تنظيم الأدوية والمنتجات الصحية ومراقبتها وضمان جودتها وسلامتها وفعاليتها، إلى جانب المساهمة في تنفيذ التوجهات الاستراتيجية للدولة في مجال السيادة الدوائية. كما تكمن أهمية هذا التحول في أن الدواء لم يعد ينظر إليه باعتباره مجرد سلعة خاضعة لمنطق العرض والطلب، وإنما باعتباره موردا استراتيجيا يرتبط مباشرة بالحق في الصحة وبالأمن الاجتماعي. فالوكالة مطالبة ليس فقط بالترخيص للمنتجات ومراقبتها، وإنما أيضًا بالمساهمة في ضمان توفرها، وتعزيز اليقظة الدوائية، وتحليل المخاطر، وتتبع الأسعار، وتشجيع استعمال الأدوية الجنيسة والبدائل الحيوية. ومن ثم فإن فعاليتها ستقاس بقدرتها على بناء سلطة تنظيمية علمية تحمي المواطن وتواكب الصناعة الوطنية وتستبق المخاطر قبل تحولها إلى أزمات. وتبرز هنا أهمية الأمن الدوائي، الذي لا ينبغي اختزاله في مجرد وجود الأدوية داخل السوق، بل في القدرة المستدامة على ضمان توافر المنتجات الصحية الأساسية بجودة وسلامة وفعالية وبأسعار تسمح بالولوج إليها، مع القدرة على مواجهة اضطرابات التوريد. فامتلاك صناعة محلية لا يعني بالضرورة تحقيق الاستقلال، لأن الصناعة نفسها قد تعتمد على مواد أولية أو مكونات صيدلانية فعالة أو تقنيات ومعدات مستوردة.

وقد أورد التقرير الوطني الصادر سنة 2025 حول تنفيذ الهدف الثالث من أهداف التنمية المستدامة برسم سنة 2024 أن الصناعة الدوائية المحلية تغطي حوالي 70% من الاحتياجات الوطنية من الأدوية. وتمثل هذه النسبة عنصرا مهما في تعزيز الأمن الدوائي، لكنها لا تعني تحقيق استقلال دوائي كامل، لأن قياس السيادة يقتضي النظر أيضًا إلى المواد الأولية والتكنولوجيا والبحث العلمي وسلاسل الإمداد والقدرة على مواجهة الأزمات. ومن هنا، يصبح التمييز بين الأمن الدوائي والسيادة الصحية ضروريًا. فالأمن الدوائي يرتبط أساسًا بضمان توفر الأدوية والمنتجات الصحية واستمرارية الإمدادات، بينما تمثل السيادة الصحية مفهومًا أوسع يرتبط بقدرة الدولة على اتخاذ قراراتها الصحية الاستراتيجية وتقوية قدراتها الوطنية في مجالات الإنتاج والبحث والتكنولوجيا والتنظيم والموارد البشرية، وتقليل مواطن الهشاشة والاعتماد المفرط على الخارج. ولا تعني السيادة الصحية تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل أو الانغلاق عن الأسواق الدولية، وإنما امتلاك قدرات وطنية تسمح للمغرب بتنويع مصادر التوريد، وتقليل المخاطر الاستراتيجية، وتطوير الإنتاج والبحث العلمي، والاستجابة للأزمات. كما تتضح أهمية هذا الدور في مجال اللقاحات، الذي أصبح من أبرز مؤشرات السيادة الصحية بعد جائحة كوفيد-19. ويشير التقرير الوطني لسنة 2025 إلى الجهود المبذولة لتعزيز السيادة اللقاحية للمغرب وتطوير قدرات إنتاج اللقاحات، إلى جانب استمرار البرنامج الوطني للتمنيع. غير أن السيادة اللقاحية والدوائية لا تتحقق بمجرد إنشاء وحدات للإنتاج، بل تحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل البحث والتطوير، والموارد البشرية المتخصصة، والبنية التحتية، والمختبرات، ونظم اليقظة والتقييم العلمي. وهنا تبرز الوظيفة الاستراتيجية للوكالة باعتبارها جهة تنظيمية مطالبة بضمان إطار موثوق يسمح بتطوير الصناعة الوطنية مع الحفاظ على الجودة والسلامة.

وقد أكدت منظمة الصحة العالمية أن وجود نظام تنظيمي قوي للمنتجات الطبية يمثل شرطا أساسيًا لضمان وصول السكان إلى أدوية آمنة وفعالة وذات جودة. كما يرتبط تطوير النظام التنظيمي المغربي بمسار تعزيز نضج السلطة الوطنية المنظمة للدواء، بما يدعم قدرة المملكة على مواكبة المعايير الدولية وتطوير صناعة صحية أكثر تنافسية. ولا يقل البعد الاقتصادي أهمية عن البعد التنظيمي، فالدواء قد يكون متوفرا ماديا لكنه غير متاح فعليا للمريض إذا كان سعره مرتفعا. لذلك يرتبط الأمن الدوائي أيضا بالولوج الاقتصادي وترشيد الإنفاق، وهو ما يكتسب أهمية خاصة في سياق تعميم الحماية الاجتماعية، حيث أصبحت استدامة الإنفاق الصحي جزءا أساسيا من إصلاح المنظومة الصحية. ويمكن للوكالة أن تؤدي دورا مهما في تحقيق التوازن بين حماية صحة المواطن، وضمان جودة المنتجات وسلامتها، وتهيئة بيئة تنظيمية تسمح للصناعة الوطنية بالاستثمار والابتكار. ويكتسب هذا المسار أهمية خاصة منذ انتقال الوكالة من مرحلة الإحداث القانوني إلى مرحلة البناء المؤسساتي؛ فقد انعقد أول اجتماع لمجلس إدارتها في 29 يناير 2025، وتم خلاله اعتماد برنامج عملها وميزانيتها التقديرية لسنة 2025، والمصادقة على هيكلتها التنظيمية والنظام الأساسي لموظفيها، بما يعكس بداية الانتقال من الإطار القانوني إلى ممارسة الاختصاصات على أرض الواقع. ويبقى التحدي الأساسي في قدرة الوكالة على الانتقال من منطق الرقابة بعد وقوع المشكلة إلى منطق الاستباق. فالأمن الدوائي الحديث يحتاج إلى أنظمة للإنذار المبكر تسمح برصد احتمالات النقص قبل حدوثها، وتتبع المخزونات، وتحديد الأدوية الحيوية، وتنويع مصادر التوريد، ومعرفة البدائل المتاحة، وتنسيق المعلومات بين السلطات والمصنعين والمستوردين والموزعين والمؤسسات الصحية. كما تحتاج السياسة الدوائية إلى قواعد بيانات موثوقة تساعد صانع القرار على معرفة مستويات الاستهلاك والتوريد والأسعار وحالات النقص ومواطن الاعتماد على الخارج. ومن هنا تصبح الرقمنة والقدرة على تحليل البيانات جزءًا من أدوات السيادة الصحية.

إن الرهان على الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية لا يتعلق إذن بإنشاء مؤسسة جديدة فحسب، بل ببناء قدرة وطنية على تنظيم أحد أكثر القطاعات ارتباطًا بالأمن الصحي والاجتماعي. فالوكالة لا تستطيع وحدها تحقيق السيادة الصحية، لكنها يمكن أن تكون إحدى ركائزها الأساسية إذا توفرت لها الموارد البشرية والعلمية والتقنية، وعززت استقلاليتها المهنية، وربط عملها بالبحث العلمي والصناعة الوطنية والحماية الاجتماعية وباقي مكونات المنظومة الصحية. وفي المحصلة، فإن الأمن الدوائي يمثل أحد المكونات الأساسية للسيادة الصحية، بينما تشكل السيادة الصحية الإطار الأوسع الذي يمنح للأمن الدوائي معناه الاستراتيجي. ولذلك فإن نجاح الوكالة لن يقاس فقط بعدد التراخيص أو عمليات المراقبة، وإنما بمدى قدرتها على المساهمة في ضمان دواء آمن وفعال ومتاح، وتعزيز الثقة في الصناعة الوطنية، واستباق الأزمات، وتقليل مواطن الاعتماد الاستراتيجي على الخارج. كما أن السيادة الصحية لا تعني أن ينتج المغرب كل ما يحتاجه، ولا أن ينغلق عن العالم، وإنما أن يمتلك من القدرات التنظيمية والعلمية والصناعية ما يسمح له بالاختيار والاستجابة للأزمات وحماية صحة مواطنيه. وفي هذا المعنى، تمثل الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية إحدى الأدوات المؤسساتية التي يمكن أن تساعد على الانتقال من التعامل مع الدواء باعتباره مجرد منتج علاجي إلى التعامل معه باعتباره موردا استراتيجيًا وعنصرا من عناصر الأمن والسيادة الصحية للمغرب.