غير أن التاريخ السياسي يعلمنا أن الأحزاب ليست كيانات ثابتة، وأن القوة التي راكمتها في مرحلة معينة ليست ملكية أبدية، كما أن فقدانها لا يعني بالضرورة نهاية القدرة على التأثير. فالحياة السياسية مجال للصراع والتحول وإعادة تشكيل موازين القوى، وليست مجرد توزيع نهائي للمواقع بين منتصرين ومنهزمين.
ومن هنا، يبدو من الضروري أن ننتقل من الانفعال بنتائج الانتخابات إلى تحليلها، ومن الأحكام المرتبطة بلحظة الاقتراع إلى فهم المسارات التاريخية والاجتماعية التي تنتج القوة الحزبية، وتفسر تراجعها، وتكشف شروط تحولها.
تجارب عالمية: حين تتغير موازين القوى
تقدم التجارب الدولية أمثلة ملموسة على أن التعثر الانتخابي لا يحسم مستقبل الأحزاب بصورة نهائية.
ففي كندا، لم يحصل الحزب الليبرالي في انتخابات 2011 سوى على 34 مقعدًا، قبل أن يعود سنة 2015 ويحصل على 184 مقعدًا، مشكلًا حكومة بأغلبية برلمانية. ولم يكن الأمر مجرد تغير في عدد المقاعد، بل تزامن مع تحولات في القيادة والخطاب والسياق السياسي والمنافسة الانتخابية.
وفي بريطانيا، انتقل حزب العمال من 202 مقعدًا في انتخابات 2019 إلى 411 مقعدًا سنة 2024، ليعود إلى قيادة الحكومة بعد أربعة عشر عامًا في المعارضة. لكن هذه العودة تكشف أيضًا ضرورة التمييز بين عدد المقاعد ونسبة الأصوات؛ فقد ارتفعت حصة الحزب من 32.1% إلى 33.7% فقط، وهو ما يبرز تأثير النظام الانتخابي وتوزيع الأصوات بين الدوائر في تحديد النتائج.
أما في ألمانيا، فيقدم حزب اليسار، Die Linke، تجربة تستحق التأمل، خصوصًا في سياق النقاش حول مستقبل الأحزاب الاشتراكية واليسارية. فقد حصل الحزب على 4.9% من الأصوات في الانتخابات الفيدرالية لسنة 2021، ثم ارتفعت حصته إلى 8.8% سنة 2025، وانتقل تمثيله من 39 إلى 64 مقعدًا، في وقت تراجعت فيه حصة الحزب الاشتراكي الديمقراطي من 25.7% إلى 16.4%. وتزامن هذا التحول مع إعادة إبراز قضايا اجتماعية ملموسة، من بينها تكاليف السكن والإيجار، وتوسيع العمل الميداني والتواصل مع فئات اجتماعية وشبابية. كما برز هذا التوجه في حملة وطنية أطلقها الحزب سنة 2025 حول أزمة الإيجارات، استنادًا إلى ما اعتبره من أبرز الانشغالات التي عبر عنها المواطنون خلال لقاءاته الميدانية.
تكشف هذه التجارب عن تنوع المسارات الممكنة بعد التعثر؛ فبعض الأحزاب استعادت موقعها في الحكومة، وبعضها وسع تمثيله من داخل المعارضة، بينما شهدت أحزاب أخرى تغيرًا في موقعها داخل العائلة السياسية نفسها. ولا يمكن فصل هذه النتائج عن سياقاتها الوطنية المختلفة، أو اعتبارها وصفات جاهزة قابلة للاستنساخ. لكنها تسمح بفهم حقيقة أساسية: التاريخ الانتخابي للأحزاب ليس خطًا مستقيمًا، والصعود والأفول جزء من طبيعة المنافسة السياسية.
المغرب: قراءة التحولات خارج الأحكام النهائية
في المغرب، تعيد نتائج الانتخابات التشريعية ليوم 23 شتنبر 2026 طرح الأسئلة نفسها. فحزب العدالة والتنمية، الذي حصل على 125 مقعدًا سنة 2016، تراجع إلى 13 مقعدًا سنة 2021، قبل أن يرتفع تمثيله إلى 54 مقعدًا سنة 2026. وهي استعادة لجزء من حضوره البرلماني السابق، دون العودة إلى مستوى تمثيله لسنة 2016.
وفي المقابل، انتقل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية من 20 مقعدًا سنة 2016 إلى 34 سنة 2021، ثم إلى 26 مقعدًا سنة 2026. أما التقدم والاشتراكية، فانتقل من 12 إلى 22 ثم إلى 19 مقعدًا خلال المحطات الانتخابية نفسها. وحصل تحالف اليسار على ثمانية مقاعد في اقتراع 2026، وهي معطيات ينبغي قراءتها مع مراعاة تغير التحالفات والتشكيلات الانتخابية بين مراحل وأخرى.
لا تسمح هذه الأرقام وحدها بالحكم على مستقبل أي حزب، لكنها تكشف عن تحولات في التمثيل البرلماني تستحق التحليل، وتطرح أسئلة حول العلاقة بين الإرث التاريخي والامتداد الاجتماعي والقدرة على تجديد الحضور السياسي.
فالأحزاب التي ساهمت في تشكيل جزء من التاريخ السياسي المغربي، سواء من خلال الحركة الوطنية أو المعارضة أو النضال النقابي والحقوقي أو المشاركة في الحكومات، لا يمكن فهم وضعها الراهن دون استحضار السياقات التي نشأت فيها، والتحولات التي عرفتها المجتمعات والقواعد الاجتماعية التي ارتبطت بها.
كما أن المقارنة بين الأحزاب الاشتراكية واليسارية تقتضي التمييز بين تيارات تنتمي إلى العائلة الفكرية الواسعة نفسها، لكنها تختلف في تصوراتها للإصلاح والتغيير، وفي علاقتها بالسلطة والتحالفات والمؤسسات.
لقد ارتبطت أحزاب يسارية تاريخيًا بمطالب الطبقات العاملة، وبالصراع من أجل توسيع الحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية. غير أن تغير البنية الطبقية، وتطور أنماط العمل والإنتاج، وصعود مطالب اجتماعية وحقوقية جديدة، أعاد طرح سؤال تمثيل المجتمع بأشكال مختلفة.
وهنا يصبح النقاش حول التحول الحزبي أعمق من مسألة تغيير القيادة أو تجديد وسائل التواصل. فهو يتعلق بطبيعة المشروع السياسي نفسه، وبالعلاقة بين المرجعية الفكرية والبرنامج والممارسة، وبقدرة التنظيم على استيعاب التحولات الاجتماعية دون أن تصبح ذاكرته التاريخية بديلًا عن تحليل الحاضر.
من نفسية الهزيمة إلى فهم شروط التحول
قد يكون الجانب الأكثر إثارة للتأمل بعد كل استحقاق انتخابي هو الكيفية التي يستقبل بها المواطنون النتائج. فقد يتحول الغضب من خسارة حزب ما إلى خطاب يعلن نهاية السياسة، كما قد يتحول الارتياح إلى النتائج إلى اعتقاد بأن موازين القوى القائمة أصبحت نهائية. وفي الحالتين، يصبح الانفعال بالنتيجة حاضرًا بقوة في تفسيرها. وقد تناول علم السياسة هذه الظاهرة من خلال دراسات «قبول الخاسرين»، التي أظهرت وجود اختلافات في درجة الرضا عن أداء النظام السياسي بين من صوتوا للأحزاب الفائزة ومن صوتوا للأحزاب الخاسرة. كما بينت أن المؤسسات السياسية وطبيعة المنافسة تؤثران في كيفية استقبال النتائج وتقييمها.
غير أن فهم البعد النفسي للهزيمة لا يعني إلغاء مشروعية الغضب أو النقد أو الاعتراض، فهذه المواقف قد تستند إلى اختلافات سياسية وبرامجية حقيقية، أو إلى انتقادات تتعلق بشروط المنافسة الانتخابية. المسألة المطروحة هي كيفية التمييز بين رد الفعل المرتبط بلحظة النتائج، والتحليل السياسي الذي يبحث في أسبابها وشروط تغيرها. فالحزب الذي يتعثر انتخابيًا لا يفقد بالضرورة تاريخه أو جميع أشكال حضوره المجتمعي، كما أن الحزب الذي يحقق نتيجة متقدمة لا يكتسب بذلك ضمانة الاحتفاظ بالقوة نفسها في الاستحقاقات اللاحقة.
والانتخابات، مهما بلغت أهميتها، لا تختزل الحياة السياسية برمتها؛ إذ يستمر النقاش والصراع حول السياسات العمومية والتوجهات الاقتصادية والاجتماعية والحقوقية داخل المؤسسات المنتخبة وخارجها. ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين القوة الانتخابية والقوة التنظيمية والتأثير المجتمعي. فقد تتقاطع هذه الأبعاد، لكنها ليست متطابقة بالضرورة. وقد يستعيد حزب تمثيله البرلماني دون أن يكون قد تجاوز جميع إشكالاته التنظيمية، كما قد يحتفظ حزب محدود المقاعد بحضور داخل النقابات أو الحركات الاجتماعية أو النقاش الفكري والثقافي.
إن التحول من التعثر إلى استعادة التأثير ليس نتيجة حتمية للهزيمة، وإنما مسار تتداخل فيه المراجعة التنظيمية، وتجدد المطالب الاجتماعية، و.......والقدرة على إعادة بناء العلاقة مع المجتمع، فضلًا عن التحولات التي يعرفها السياق السياسي برمته.
وإذا كان التاريخ يوضح لنا كيف تشكلت قوة الأحزاب، فإن فهم الحاضر يقتضي البحث في كيفية تغير شروط هذه القوة. فلا يكفي أن يكون الحزب قد صنع جزءًا من التاريخ ليحتفظ بمكانته إلى الأبد، كما لا تكفي هزيمة انتخابية واحدة لإعلان نهاية مساره.
ولعل السؤال الذي يستحق أن يرافق النقاش العمومي بعد كل انتخابات ليس فقط: من ربح ومن خسر؟ بل أيضًا: ما الذي تغير في المجتمع؟ وما الذي تغير داخل الأحزاب؟ وما الذي تكشفه النتائج عن طبيعة التمثيل السياسي؟ وكيف يمكن أن تتطور مواقع الفاعلين السياسيين في ظل استمرار الصراع الاجتماعي والتحولات الاقتصادية والثقافية والحقوقية؟
إن الانتقال من نفسية النتائج إلى تحليلها يسمح بفهم السياسة باعتبارها سيرورة تاريخية مفتوحة، لا مجرد لحظة احتفاء أو خيبة. فالانتخابات تحدد مواقع الأحزاب في لحظة من الزمن، لكنها لا تكتب وحدها تاريخها، ولا تختزل أثرها، ولا تصدر حكمًا نهائيًا على مستقبلها.






