ودعا ماكرون، في هذا السياق، إلى عدم الاستسلام أمام تراجع دور المؤسسات الدولية، معتبرًا أن غياب السلام وتهميش دور الأمم المتحدة يهددان أسس النظام الدولي.
ويكشف هذا التباين عن اختلاف واضح في الرؤية إلى مكانة الأمم المتحدة ودورها في إدارة الأزمات الدولية. ففي الوقت الذي يركز فيه ترامب على قدرة الولايات المتحدة على التحرك بشكل منفرد للدفاع عن مصالحها والتعامل مع النزاعات الدولية، شدد عدد من قادة الدول على ضرورة إعادة الاعتبار للعمل متعدد الأطراف وتفعيل دور الأمم المتحدة في منع الحروب وتسوية النزاعات.
وكان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أبرز المدافعين عن هذا التوجه، إذ أكد في خطابه ضرورة تجديد الالتزام بالقانون الدولي وبمنظومة الأمم المتحدة، في مواجهة ما وصفه بعودة "شريعة الغاب" إلى العلاقات الدولية.
وقال ماكرون إن السؤال المطروح أمام المجتمع الدولي يتمثل في الاختيار بين العودة إلى "الحالة البدائية" و"شريعة الغاب"، وبين بناء "مجتمع دولي متحضر". ودعا إلى الصمود وعدم الاستسلام للتطورات الجارية ولخطاب الهزيمة الذي، بحسب رؤيته، قد يفتح المجال أمام إساءة استخدام القوة من طرف إمبراطوريات تهدد سيادة الدول.
وتطرق الرئيس الفرنسي، في هذا السياق، إلى عدد من الأزمات الدولية، وعلى رأسها الحرب في الشرق الأوسط والحرب الروسية – الأوكرانية، داعيًا إلى احترام القانون الدولي واللجوء إلى المؤسسات الدولية لمعالجة النزاعات.
غوتيريش والدفاع عن التعددية
أما الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ففي آخر خطاب له أمام الجمعية العامة قبل انتهاء ولايته في نهاية السنة، دافع بقوة عن العمل متعدد الأطراف وعن الدور المركزي للمنظمة الدولية في مواجهة الأزمات.
وشدد غوتيريش على ضرورة أن تظل الأمم المتحدة منصة أساسية لإنهاء الحروب ومعالجة الأزمات العالمية، داعيًا في الوقت نفسه إلى إصلاح مؤسسات المنظمة وتعزيز قدرتها على الاستجابة للتحديات الدولية.
وركز الأمين العام على مجموعة من الملفات، من بينها إصلاح مؤسسات الأمم المتحدة، وتعزيز العمل متعدد الأطراف، وتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، ومواجهة تغير المناخ، وإنهاء الحروب والنزاعات.
لكنه سيغادر الأمم المتحدة بعد ولاية تميزت بحرب باوربا والشرق الأوسط لم تتمكن الأمم المتحدة بلعب دورا فيها.
وتعكس هذه المواقف، في مجملها، قناعة لدى عدد من القادة بأن النظام الدولي يحتاج إلى مؤسسات أممية أكثر فعالية وقدرة على منع النزاعات وتسويتها، بدل ترك المجال مفتوحًا أمام منطق القوة والمواجهة الأحادية.
اختلاف الرؤية بين ماكرون وترامب
ويندرج موقف ماكرون بدوره في إطار الدفاع عن التعددية والعمل داخل المؤسسات الدولية. وتولي فرنسا أهمية خاصة لدور الأمم المتحدة في معالجة الأزمات الدولية، خصوصًا الحرب في أوكرانيا وأزمات الشرق الأوسط.
وتظهر أجندة الرئيس الفرنسي خلال اجتماعات الجمعية العامة أن الملف الأممي والعمل المشترك مع الشركاء الدوليين يحتلان موقعًا أساسيًا في التحرك الفرنسي، في وقت تشهد فيه العلاقات الدولية توترات متزايدة بشأن مستقبل النظام الدولي وقواعده.
في المقابل، قدم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رؤية مختلفة في خطابه أمام الجمعية العامة. فقد تحدث عن النزاعات التي قال إن الولايات المتحدة ساهمت في تسويتها، وانتقد في المقابل عددًا من المؤسسات الدولية، مع الإشارة أيضًا إلى قرارات صادرة عن الأمم المتحدة، ومنها ما يتعلق بملف غزة.
وخصص ترامب جزءًا كبيرًا من خطابه للحديث عن المواجهة مع إيران، مؤكدًا أن الولايات المتحدة لن تسمح لطهران بامتلاك سلاح نووي. كما طرح خيار التوصل إلى اتفاق، أو اللجوء إلى إجراءات أكثر صرامة، في حال عدم التوصل إلى اتفاق، ودعا الدول إلى مواصلة الضغط الاقتصادي على إيران.
كما ركز الرئيس الأمريكي على التفوق التكنولوجي والاقتصادي للولايات المتحدة، وتحدث بإسهاب عن ريادة بلاده في مجال الذكاء الاصطناعي.
وفي المقابل، تتبنى فرنسا تصورًا مختلفًا بشأن مستقبل الذكاء الاصطناعي، إذ تدعو إلى تطوير نموذج متقدم ومفتوح المصدر، بما يتيح تقليص هيمنة القوى الكبرى على هذه التكنولوجيا الاستراتيجية.
كما تناول ترامب في خطابه ملف الهجرة والتنقل الدولي، مؤكدًا تشديد سياسات بلاده في هذا المجال، في إطار رؤية تركز على حماية الحدود والمصالح الوطنية الأمريكية.
بين التعددية ومنطق القوة
تكشف هذه المواقف المتباينة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة عن اتجاهين رئيسيين في النقاش حول مستقبل النظام الدولي.
الاتجاه الأول، الذي عبر عنه كل من لولا دا سيلفا وأنطونيو غوتيريش وإيمانويل ماكرون، يركز على تعزيز دور الأمم المتحدة، وتقوية التعددية، وإصلاح مؤسسات المنظمة الدولية، بما يمكنها من أداء دور أكثر فعالية في منع الحروب وتسوية النزاعات.
أما الاتجاه الثاني، الذي يعبر عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فيركز بصورة أكبر على قدرة الولايات المتحدة على التحرك دفاعًا عن مصالحها وأمنها، وعلى اعتماد القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية الأمريكية في التعامل مع الأزمات الدولية.
ويضع هذا التباين مستقبل النظام الدولي أمام نقاش أوسع حول حدود العمل الأحادي من جهة، ودور المؤسسات الدولية والعمل متعدد الأطراف من جهة أخرى.
وفي ظل استمرار الحروب والنزاعات، من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وتزايد التوترات الاقتصادية والتكنولوجية، يبرز السؤال حول قدرة الأمم المتحدة على استعادة دورها كمنصة للحوار والتفاوض ومنع النزاعات، ومدى استعداد القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، للعمل ضمن منظومة دولية مشتركة.
ويبقى التحدي الأساسي أمام المنظمة الدولية هو تحويل الدعوات السياسية إلى آليات عملية قادرة على منع اندلاع الحروب، وتسوية النزاعات، وحماية سيادة الدول، في وقت يبدو فيه النظام الدولي أكثر انقسامًا وتنافسًا من أي وقت مضى.






