المعضلة الأولى: تتمثل في عودة الخطاب الشعبوي. حيث نجد أن ذلك النوع من الخطاب ما زال يلقى آذاناً صاغية، بالرغم من التجربة المزدوجة الفاشلة، التي بدأت مع ما سمي بالربيع العربي. ذلك الربيع المفترى عليه، والذي تحول إلى شتاء عاصف. وها نحن اليوم نسمع أمين عام ذلك الحزب يقول بعظمة لسانه: "ها قد انتصرنا... ولابد من الاحتفال بعذا الانتصار... وسنحتفل به إن شاء الله".
والحال أن انتصاراً مبنيا على الانتقال من 13 إلى 54 مقعداً هو بالفعل تقدم عددي كبير، بزيادة 41 مقعداً، ولكنه يظل بعيداً عن 125 مقعد التي حققها الحزب في 2016. فهل هو انتصار فعلاً؟ الله يحفظ وصافي!
المعضلة الثانية: مزاجية الناخب المغربي، الذي بعد أن منح ذلك الحزب في 2011 أغلبية كادت أن تكون مطلقة، عاد هو نفسه ليُسقطه في 2021 إلى 13 مقعداً، فظن المراقبون أنهم أمام وعي سياسي جديد في وسعه فعلاً أن يُعاقِب، ولكنه هو نفسه الذي أعاده اليوم إلى المركز الرابع بـ 54 مقعداً... فماذا يعني هذا التقلّب؟!
إن القراءة المتأنية للأرقام المدلى بها حتى الآن تقول شيئاً آخر: فالتجمع الوطني للأحرار فقد 36 مقعداً، من 102 إلى 66، والاستقلال فقد 16 مقعداً. والأهم من ذلك والأكثر إثارة للقلق، أن نسبة المشاركة نزلت من 50.18% في استحقاقات 2021 إلى 38.02% برسم هذا الاستحقاق. إذن، نحن لسنا أمام عودة الثقة في الحزب الإسلامجي، بقدر ما نحن أمام تصويت عقابي ضد الأغلبية المنتهية ولايتها، في ظل عزوف أكثر من 60% من الكتلة الناخبة. وهذا يمكن اعتباره مزاجية في العرض السياسي برمته وليس في الناخب وحده.
المعضلة الثالثة: تَقَمُّص دور المعارض القويّ. حيث أن كل المؤشرات تقول إن حزب العدالة والتنمية لن يكون إلا في المعارضة، أمام حكومة يقال إنها "حكومة المونديال"، بميزانية 20 مليار دولار للتحضير لنهائيات كأس العالم 2030.
أمام هذا الوضع، سيصرّ حزب العدالة والتنمية على الرفع من منسوب بكائياته على الأموال المخصصة لهذه التظاهرة، معتبراً إياها "أموالاً ضائعة"، رغم ما نعرفه عن العائدات المهمة لبطولة كأس الأمم الإفريقية الأخيرة. وهنا سيجد ذلك الحزب مادته المفضلة للصراخ: "هل سنستثمر في الملاعب أم في المدارس والمستشفيات"؟ والواقع أنه سؤال وجيه، ولكنهم سيحولونه كعادتهم إلى مزايدة، إذا لم يُطرح بأرقام وبدائل جدية يُسَوِّغُها العقل والمنطق.
المعضلة الرابعة: التموقع بين سندان حكومة المونديال ومطرقة المعارضة الإسلامجية. حيث الظاهر أن هذه النتائج ستضعنا بين مطرقة وسندان حقيقيين. سندان حكومة مطالَبة بأن تنجح في تنظيم جزء وازن من أكبر تظاهرة كروية في العالم، دون أن يؤدي ذلك إلى تنامي الفوارق بين المدن الست المستضيفة وباقي حواضر وبوادي المغرب الأخرى؛ ومطرقة المعارضة الإسلامجية المتوقَّعة، والتي ستجعل من شعار "باراكا من هدر المال العام"، عنواناً يومياً لخمس سنوات قادمة. وفي كل الأحوال، سنكون نحن على موعد مع عهدة خماسية حافلة بـ"الشخيد والشطيح والرديح"، تحت يافطة "المعارضة البناءة".
نهايته... أعتقد أن أمامنا مشاوير طويلة حتى تتحول مزاجية الناخب المفربي إلى حساب سياسي واعٍ ومسؤول... وإلى ذلك الحين، لا أجد أمامي إلا أن أسأل الله أن يحفظ هذا البلد... و... عجبي!!!






