نشر موقع ميديابارت (Mediapart) الإعلامي الفرنسي، في 24 سبتمبر 2026، عريضة وقّعها أكثر من 180 طبيباً فرنسياً تحت عنوان: «نحن الأطباء نرفض القبول بما لا يُقبل: يجب أن تصبح عبارة “لن يتكرر أبداً” حقيقة في كل مكان ولكل إنسان»، وجهوا من خلالها نداءً إلى الهيئات المهنية والنقابية والأكاديمية والجمعيات العلمية الطبية، وفي مقدمتها المجلس الوطني لنقابة الأطباء في فرنسا، مطالبين إياها بالتحرك ووضع حد لما وصفوه بـ«تطبيع ما ينبغي أن يبقى غير طبيعي وغير مقبول ولا يمكن التسامح معه»
وينطلق الأطباء في عريضتهم من الطريقة التي بات يجري بها التعامل مع ما يحدث في غزة، مستشهدين بما نشر أخيراً حول الطائرات الورقية التي يطلقها الأطفال بالقرب من الحدود، والتحذيرات من احتمال تعرض مطلقيها لرد عسكري إسرائيلي. ويرون أن مثل هذه المعالجة الإعلامية تثير تساؤلاً أساسياً حول إمكانية تصوير قصف أشخاص يطلقون طائرات ورقية، وبينهم أطفال، باعتباره جزءاً من مواجهة تهديد أمني، في حين تمثل هذه الطائرات بالنسبة إلى أطفال غزة إحدى وسائل اللعب القليلة التي لا تزال تتيح لهم شيئاً من طفولتهم، فضلاً عن استخدامها في بعض الأنشطة ذات الأبعاد العلاجية والنفسية.
ويتساءل الموقعون كيف يمكن لجيش يمتلك وسائل عسكرية وتقنيات عالية الدقة ألا يكون قادراً على التمييز بين طفل ومقاتل، معتبرين أن الأمر يندرج في سياق أوسع من نزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين، تعكسه تصريحات متكررة لمسؤولين سياسيين وإعلاميين إسرائيليين تزعم أنه «لا يوجد أبرياء في غزة». ويرى الأطباء أن مثل هذه الخطابات تسهم في جعل ما هو غير طبيعي وغير مقبول أمراً عادياً يمكن التعايش معه.
وتشير العريضة إلى أن الأطفال والصحفيين والعاملين في المجال الصحي كانوا من أبرز ضحايا الحرب؛ فالأطفال يمثلون مستقبل المجتمع، والصحفيون يوثقون الأحداث وينقلون الشهادات، فيما يحاول الأطباء والممرضون والمسعفون الاستمرار في علاج المصابين والمرضى وسط تدمير واسع للنظام الصحي. وتذكر أن مستشفيات غزة الستة والثلاثين تعرضت للقصف، وأن أقل من نصفها فقط ما زال يعمل بصورة جزئية، فيما قُتل أكثر من ألف من العاملين في القطاع الصحي. كما تشير إلى استمرار اعتقال أربعة عشر طبيباً من غزة من دون توجيه اتهامات إليهم أو محاكمتهم، وإلى معلومات عن تعرضهم للتعذيب ومخاوف جدية على حياتهم.
وتستند العريضة في توصيفها لما يجري في غزة بأنه إبادة جماعية إلى ما خلصت إليه لجنة تحقيق دولية مستقلة تابعة للأمم المتحدة، وإلى مواقف عدد من الباحثين والمؤرخين المتخصصين في دراسات الإبادة والهولوكوست، ومن بينهم المؤرخ عمر بارتوف، فضلاً عن منظمات وجمعيات، بينها منظمات إسرائيلية. وتشير إلى تقديرات تصفها بالمتحفظة تفيد بمقتل أكثر من 73 ألف شخص في غزة، من بينهم ما لا يقل عن 21,600 طفل.
ويؤكد الموقعون أن ما يصفونه بالإبادة لم يتوقف، بل يستمر بصورة أقل حضوراً في التغطية الإعلامية، وأن القيود الخطيرة المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية لم تُرفع رغم الالتزامات المعلنة. وتشير العريضة إلى أن القصف منذ أكتوبر/تشرين الأول 2025 أدى إلى مقتل نحو ألف شخص، بينهم، وفق المعطيات التي تستند إليها، طفل واحد على الأقل يومياً، بالتوازي مع تصاعد العنف في الضفة الغربية، في وقت يستمر فيه الحديث عن وقف لإطلاق النار.
وتتطرق العريضة كذلك إلى لبنان، معتبرة أن هناك نمطاً مماثلاً يتمثل في استخدام خطابات تنزع الصفة الإنسانية عن جزء من السكان، بالتزامن مع تدمير واسع ومنهجي للبنى التحتية المدنية. وتورد أرقاماً تفيد بمقتل أكثر من 4300 شخص منذ الثاني من مارس/آذار 2026، بينهم 357 شخصاً خلال عشر دقائق في الثامن من أبريل/نيسان، كما تشير إلى أن القصف أدى، يومياً بين الثاني من مارس/آذار و17 يونيو/حزيران، إلى مقتل أو إصابة اثني عشر طفلاً.
وفي المجال الصحي، تشير العريضة إلى توثيق ما لا يقل عن 169 هجوماً على منشآت وبنى صحية حتى 25 مايو/أيار 2026، ومقتل 116 من العاملين في القطاع الصحي، إضافة إلى تعرض عناصر قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «اليونيفيل» بصورة متكررة للتهديد، وأحياناً لإطلاق النار أو القصف.
ويشدد الأطباء على أن للحرب قواعد، وأن القانون الدولي، ولا سيما القانون الدولي الإنساني، يجب أن يُحترم من جميع أطراف النزاع من دون استثناء، بما في ذلك الدول التي ترتبط فرنسا معها بعلاقات وتحالفات. ويذكّرون بأن فرنسا طرف في اتفاقية عام 1948 لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها، وأن عليها التصرف بما يتوافق مع الالتزامات المترتبة على ذلك.
ويرى الموقعون أن عدم احترام هذه الالتزامات والصمت إزاء الانتهاكات لا يخدمان أيضاً المعركة الضرورية ضد معاداة السامية، بل يؤكدون أن مكافحة جرائم الإبادة لا يمكن فصلها عن مكافحة جميع أشكال التمييز العنصري والديني التي تهيئ الظروف لوقوع مثل هذه الجرائم.
ومن موقعهم كأطباء، يستحضر أصحاب العريضة القسم الذي أدوه والالتزامات الجماعية التي تتبناها الجمعية الطبية العالمية، وفي مقدمتها التعهد بـ«تكريس الحياة لخدمة الإنسانية». وعلى هذا الأساس، يتوجهون إلى مؤسساتهم المهنية والنقابية والأكاديمية والجمعيات العلمية، ولا سيما المجلس الوطني لنقابة الأطباء في فرنسا، معربين عن عدم فهمهم لصمته، الذي يعتبرونه متعارضاً مع مسؤوليته في حماية القيم الأساسية لمهنة الطب.
ويذكّرون بأن مهنة الطب والمؤسسات التي تمثلها تتحمل مسؤولية تتجاوز علاج المرضى إلى المساهمة في صحة ورفاه المجتمعات ككل، بما يشمل الأجيال المقبلة، وأن هذا المبدأ يقع في صميم إعلان جنيف والمدونة الدولية لأخلاقيات الطب، اللذين تبلورا في أعقاب أهوال الحرب العالمية الثانية وبعد إدراك إخفاق جزء من المهنة الطبية آنذاك في منع الفظائع والتصدي لها.
ومن هنا، تصبح عبارة «لن يتكرر أبداً»، بالنسبة إليهم، التزاماً أخلاقياً ومهنياً لا مجرد شعار تاريخي. ويشددون على ضرورة أن تتحول هذه العبارة إلى حقيقة لكل إنسان وفي كل مكان، أياً كان المكان الذي ولد فيه أو هويته وانتماؤه، مؤكدين أن الصمت لا يحمي أحداً، بل يساهم، بحسب تعبيرهم، في الإفلات من العقاب ويعرض الجميع للخطر.
ويؤكد الأطباء أنهم تعهدوا بالاحترام المطلق للحياة الإنسانية من دون أي تمييز، وأن الوفاء بهذا التعهد يفرض عليهم رفع أصواتهم ضد واقع تصبح فيه بعض الأرواح أكثر قيمة من غيرها، أو يصبح فيه تجريد البشر من إنسانيتهم بسبب انتمائهم الإثني أو الديني أمراً يمكن التسامح معه.
وانطلاقاً من ذلك، ينضم الموقعون إلى النداءات التي سبق أن أطلقتها هيئات طبية دولية، ويطالبون المؤسسات المهنية والطبية الفرنسية بالتحرك لدى المسؤولين السياسيين من أجل وقف ما يصفونه بالممارسات الإبادية، والتوصل إلى وقف حقيقي ودائم لإطلاق النار، وضمان احترام القانون الدولي الإنساني وحماية العاملين في القطاع الصحي واحترام حيادهم، وإجراء تحقيقات مستقلة في الهجمات التي استهدفت النظام الصحي، وفي الاعتقالات التعسفية للعاملين فيه وما يثار بشأن تعرض بعضهم للتعذيب، وكذلك التحقيق في أي انتهاكات محتملة لأخلاقيات المهنة الطبية، إلى جانب حماية السكان المدنيين أياً كانت هويتهم، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية من دون قيود، وزيادة عمليات الإجلاء الطبي للمرضى والجرحى.
وتختتم العريضة رسالتها بالتأكيد على أن المسؤولية الأخلاقية للطبيب لا تتوقف عند علاج المصاب أو إنقاذ المريض، وإنما تشمل أيضاً الدفاع عن القيمة المتساوية للحياة البشرية، وأن الوعد الذي ولد بعد مآسي الحرب العالمية الثانية، «لن يتكرر أبداً»، لا يمكن أن يكون انتقائياً، بل يجب أن يصبح حقيقة في كل مكان ولكل إنسان.






