حسناً، هل فكّر أحد من هؤلاء الأساتذة الأكابر في إجراء مقارنة يسيرة وسريعة بين ما قدمه المغرب وما زال يقدمه للفلسطينيين في غزة والقطاع، من دعم وسَنَد ما كانا ليصلا إلى ما وصلا إليه، لولا تلك العلاقات والصِّلات التي يتغنى هؤلاء اليوم بذمّها، وتقديحها، وكل منهم بلا استثناء، يقيمها بشكل أو بآخر من خلف السُّتُر والحُجب، حتى أن منهم جاراً يعلو زعيقه، بينما هو يزود إسرائيل بالمحروقات التي تستعملها في تشغيل دباباتها وطائراتها وعرباتها العسكرية المزنجرة... "وآراك يا شعارات وسط عَشاءات الشيراتون" !!
إن المطبعين الحقيقيين من العرب، وأغلبهم يمارس ذلك في الكتمان، هم أكثر من نصف أعضاء جامعة الدول العربية، أما المسلمون فأكابرهم مطبعون بكل الوسائل الدبلوماسية والسياسية والثقافية والاقتصادية، ويكفي أن نذكر منهم تركيا أوردوغان، التي "تأكل الغلة وتسب الملة". وأما الأفارقة فأربع وأربعون دولة من بين أربع وخمسين تتبادل السفارات وكل أشكال العلاقات الأخرى بكل وضوح، ورغم ذلك تتصاعد صراخاتهم المنافقة مطالبين برفع صفة المراقب عن إسرائيل، داخل الاتحاد الإفريقي، الذي يشبه في هلهلته وهوانه جامعة الدول العربية، حتى أنهما يبدوان كتوأمين سياميين لولا الاختلاف اليسير في لون البشرة !!
وأعود إلى القول، إن المغرب لم يطبّع مع دولة ينتمي إليه نحو ربع مواطنيها تأريخاً وتجنيساً، وإنما أعاد ترتيب الأوراق في علاقاته التاريخية بنحو مليون نفر من اليهود على أقل تقدير، من هالي إسرائيل ذاتها، وهم من أصول مغربية، ناهيكم عن أسرهم وفروعهم المنبثّة في المداريْن الأوروبي والأمريكي وخارجهما... فعن أي تطبيع يتحدث هؤلاء المهابيل؟!
ونأتي الآن إلى القضية المغربية الحيوية والمصيرية، وهي قضية كفاح المغاربة المستميث من أجل استرجاع ما بقي من ثغورهم قيد الاحتلال، تحت سلطة الإدارة الاستعمارية الإسبانية، وتحت سلطة تظيرتها "الجزائروفرنسية". فمَن من العرب أو المسلمين أو الأفارقة وقف ليدعم المغرب من أجل استرجاعه حقوقه هذه، المغتصبة من لدن "جارين اثنين يا حسرة"، ويا لسخرية التاريخ والجغرافيا معاً !!
بالأمس غير البعيد، ضحّى المغرب بالغالي والنفيس من أجل أن تنال الجزائر "حق تقرير مصيرها"، ولا أقول "استقلالها" الغائب لحد الساعة، وبأمسٍ أقربَ، زار ملك المغرب محمد السادس تونس في عز تَعرُّضها لغدر قوى إرهابية منطلقة من تراب جيرانها الغربيين، فخرج إلى شوارع العاصمة التونسية بلا برتوكول، وبلا حراسة مشددة، ليُسهم في عودة الروح للسياحة في ذلك البلد الشقيق؛ وعلى امتداد الشهور والأسابيع والأيام، وحتى الساعات، يعمل المغرب داخل البيت الإفريقي على إعادة قطار إفريقيا إلى السكة الصحيحة، سياسياً ودبلوماسياً، وعلى الصعيدين الاقتصادي والإنمائي بشكل خاص؛ كما يكد بجد ونشاط منقطعَيِ النظير لحماية التراب الإسباني والأوروبي من مكائد الجماعات الإرهابية، الإسلامجية وغيرها... فماذا جنى المغرب من كل ذلك غير تلك العدوانية المجانية موضوع الفقرة الأولى من هذا المقال؟
بالله عليكم، ماذا فعل العرب لفلسطين غير الشعارات؟ بينما المغرب وحده يبنى المستشفيات الميدانية في غزة وغيرها، ويرسل آلاف الأطنان من المساعدات جواً وبراً، بأمر ملكي مباشر، حين أغلقت كل المعابر.
وبينما كان "المناضلون الصوريون" على أرائكهم يعدّون بيانات الشجب، كان المغاربة يوزعون الأغطية والملابس والغذاء والدواء في غزة ورفح، وخان يونس... فمَن هو المطبّع الحقيقيّ ومَن هو المدعِّم والمُناصِر؟ هل هو هذا الذي يطعم الجائع ويعالج السقيم والجريح، أم ذاك الذي يتاجر بجوعه وجروحه في المنابر وفي شبكات التواصل؟
وأين كان الأفارقة حين صوّت المغرب وحيداً ضد تقسيم السودان، وضد تدمير ليبيا؟ وأين كان المسلمون حين دافع المغرب عن القدس بوصفه رئيساً للجنة القدس، وحمى الأوقاف المغربية هناك بأمواله الخاصة حين تخلى عنها أصحابُها، ملقين بأنفسهم وأبنائهم وأسرهم في أحضان جمهورية تركيا، ودولة قطر، وغيرهما من "جنّات اللجوء السياسي"، بعد أن لم تعد للجوء السياسي أدنى قيمة؟
المفارقة الغريبة، أن المغرب يدافع عن الجميع، ولا أحد يدافع عن المغرب. وحين يطالب المغرب بسبتة ومليلية والجزر الجعفرية، يصمت العرب خوفاً من إسبانيا، ويسكت الأفارقة طمعاً في مساعدات أوروبا، ويتعامى المسلمون لأن قضيتهم كانت وستظل انتقائية إلى إشعار آخر.
إنها إذَن معادلة الخذلان الكبرى: المغرب الذي حرر الجزائر بصمت راقٍ ومُطْبَق، وأنقذ تونس بحضور ملكي لافت، وأطعم غزة والقطاع بالواضح والملموس، يُطالبه اليوم كل هؤلاء وأولئك بأن يبرر قراراته السيادية أمام من لم يحرروا حتى أنفسهم من التبعية.
ليعلمْ هؤلاء جميعاً، بأن المغرب لا ينتظر دعمهم لاسترجاع ثغوره، كما لم ينتظر إذنهم لدعم غزة بالأمس واليوم، ولن ينتظره حين يُقبِل على ذلك في الغد أيضاً. أما سبتة ومليلية والجزر فستعود بعمل المغاربة وصبرهم، لا بخُطَب هؤلاء الرنانة... وقد صدق المغفور له الملك الحسن الثاني حين قال ذات حوار مفتوح مع شعبه: العلويون، والمغاربة عامة، يستطيعون أن يُسقطوا جبلاً برأس إبرة !!
وأقول في نهاية المطاف لمَن أسسوا بيتهم على "زجاج الشعارات"، لا ترموا المغرب "بحجارة التخوين"... و... عجبي!!!






