«في الأزمنة السائلة، يصبح اللايقين هو اليقين الوحيد.»
— زيغموند باومان —
هناك هجرة، وهناك نزوح، وهناك تهجير. ولكل ظاهرة أسبابها وسياقاتها وفاعلوها ومسؤولياتها. فالهجرة، في الأصل، انتقال يغلب عليه الطابع الإرادي، وإن كان مدفوعاً بالإكراه الاقتصادي والاجتماعي. أما النزوح فهو انتقال قسري داخل حدود الدولة بفعل الحروب أو الكوارث أو انهيار شروط العيش، بينما التهجير يمثل اقتلاعاً قسرياً من المجال الأصلي، وقد يرقى، في بعض صوره، إلى انتهاك جسيم للقانون الدولي.
غير أن الأهم من التمييز المفاهيمي هو فهم تقاطع السرديات التي تحيط بهذه الظواهر. فالدولة تبني سردية الأمن والسيادة وتدبير الحدود، والمنظمات الدولية تنتج سردية الحماية والحقوق، ودول الاستقبال تنسج سردياتها المرتبطة بالمصالح الاقتصادية أو الأمنية، فيما تستثمر شبكات الاتجار بالبشر هشاشة الأوضاع لتحويل الإنسان إلى وسيلة للربح. وبين كل هذه السرديات، يظل المهاجر نفسه حاملاً لسردية البحث عن الكرامة وفرصة الحياة.
غير أن أخطر ما يواجه الحقيقة اليوم ليس تعدد السرديات في حد ذاته، وإنما أمننة الحقيقة واحتكار السرد ؛ أي إخضاعها لمنطق الأمن قبل إخضاعها لمنطق المعرفة. فعندما تتحول الوقائع إلى ملفات أمنية، يصبح السؤال عن الأسباب البنيوية للهجرة أو النزوح أو التهجير سؤالاً ثانوياً، بينما يتقدم هاجس الضبط والمراقبة والردع باعتباره التفسير والحل في آن واحد. والحال أن الأمن، مهما بلغت ضرورته، لا ينبغي أن يتحول إلى إطار وحيد لإنتاج الحقيقة أو احتكار تأويلها، لأن الحقيقة التي تُصاغ تحت ضغط الهاجس الأمني تفقد تعدديتها، وتختزل الإنسان في كونه رقماً أو خطراً محتملاً، بدل اعتباره ذاتاً تحمل حقوقاً وآمالاً وسردية إنسانية تستحق الفهم قبل التصنيف.
ومن ثم، فإن حماية الحقيقة من الأمننة لا تعني إضعاف مقتضيات الأمن، بل تعني إعادة التوازن بين ضرورات الأمن ومتطلبات العدالة والمعرفة والحقوق، حتى لا تتحول إدارة الأزمات إلى إدارة للروايات، ولا يصبح احتكار السرد بديلاً عن مواجهة الأسباب العميقة التي تنتج الأزمات نفسها.
وفي السياق المغربي، يكتسب هذا التقاطع دلالة إضافية عندما تتزامن مشاهد الهجرة غير النظامية مع احتفالات عيد العرش، وهي المناسبة التي أكد فيها الخطاب الملكي على مؤشرات إيجابية للنمو الاقتصادي، مع الإقرار بأن آثار هذا النمو لم تنعكس بما يكفي على التنمية الاجتماعية، ولا على تحسين أوضاع المواطنين أو الحد من البطالة، خاصة في صفوف الشباب.
وهنا يفرض التمييز نفسه بين النمو بوصفه مؤشراً اقتصادياً، والتنمية باعتبارها تحسناً ملموساً في شروط العيش وتوسيعاً للفرص وتعزيزاً للعدالة الاجتماعية وصناعة المواطن. فالنمو الذي لا ينعكس على التشغيل، ولا يقلص الفوارق، ولا يعزز الثقة، يظل معرضاً لأن يفقد جزءاً من أثره السياسي والاجتماعي.
ومن ثم يبرز سؤال لا يقل أهمية عن سؤال الهجرة نفسه: هل تستطيع الحملة الانتخابية المقبلة استيعاب مظاهر التذمر الاجتماعي وامتصاص النقمة المتراكمة؟.
لا يمكن الجزم بذلك. فالانتخابات قد تشكل فرصة لتجديد الثقة إذا أفرزت تنافساً حقيقياً وبرامج قابلة للتنفيذ وربطاً فعلياً بين المسؤولية والمحاسبة. لكنها قد تتحول أيضاً إلى مجرد آلية لتأجيل الاحتقان إذا ظلت رهينة الخطاب أكثر من الفعل، والوعود أكثر من الإنجاز.
لذلك، فإن القضية لا تتعلق فقط بتدبير الحدود، ولا فقط بإدارة المؤشرات الاقتصادية أو تنظيم الاستحقاقات الانتخابية، وإنما تتعلق بإنتاج معنى جديد للعلاقة بين الدولة والمجتمع، قوامه الثقة والعدالة والكرامة والمشاركة.
إن ما يكشفه تكرار مشاهد الهجرة، وتنامي الإحباط الاجتماعي، وتراجع أثر الخطاب الاقتصادي، ليس مجرد أزمة ظرفية، بل هو مؤشر على اتساع الخصاص في الثقة بين مختلف الفاعلين. ومع تراجع اليقين بشأن المستقبل، وتصاعد الإحساس بعدم القدرة على التنبؤ بالمآلات، تتنامى فوبيا اللايقين؛ وهي حالة لا تهدد الاقتصاد وحده، ولا السياسة وحدها، بل تمس الرابط الاجتماعي نفسه.
وعندما تصبح الثقة مورداً نادراً، يغدو النمو الاقتصادي غير كافٍ، والخطاب السياسي أقل إقناعاً، والانتخابات وحدها عاجزة عن ترميم العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالتحدي الحقيقي لم يعد يقتصر على تدبير الأزمات، بل أصبح يتمثل في إعادة بناء الثقة، باعتبارها الرأسمال اللامادي الذي تقوم عليه شرعية المؤسسات واستقرار المجتمع، والشرط الضروري لتحويل النمو إلى تنمية، والمواطن إلى شريك في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقٍ لوعود مؤجلة.






