كان الإنسان في الحضارات القديمة يرفع عينيه إلى السماء كلما أراد أن يجد تفسيرا للجمال. لم يكن الإنسان الأول يعتقد أن الفن اختراع بشري خالص، كان يراه هبةً هبطت من الأعالي، أو أثرًا بقي في التراب بعد مرور الآلهة. كانت القصيدة تنزل على الشاعر كما ينزل الوحي على النبي، وكانت الموسيقى لغةً لا يسمعها إلا من أرهف قلبه للإلهي، أما النحت والرسم فكانا محاولةً لتذكّر صورةٍ أقدم من العالم نفسه، صورةٍ كامنة في المثال الأعلى.
لذلك لم يولد الفن في السوق ولا في البلاط، وإنما ولد في المعبد، بين البخور والقرابين، في حضرة الكهنة، وتحت ظلال الأعمدة التي كانت تربط الأرض بالسماء. لم يكن هناك فاصل بين العبادة والجمال، ولا بين الصلاة والإنشاد، ولا بين الطقس والمسرح، حتى إن أولى المسرحيات الإغريقية لم تكن سوى امتدادٍ لاحتفالات الإلاه ديونيسوس، حيث كانت الجوقة تغني لاستحضار المقدس.
هذه الحقيقة هي التي تجعل تاريخ الفن، في جوهره، تاريخًا للعلاقة بين الإنسان والمقدس أكثر مما هو تاريخٌ للأشكال والأساليب. فالفنان الأول كان يبحث عن الإله في ذاته. وكان كل عملٍ جميل محاولةً للارتقاء إلى كمالٍ لا يملكه البشر. لذلك كان الخلود امتيازًا للآلهة وحدها، أما الفن فكان الوسيلة الوحيدة التي تسمح للإنسان بأن يلمس هذا الخلود من بعيد. ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا ارتبطت فكرة الجمال بفكرة البقاء، كان الإنسان الأول ينحت التماثيل ويرسم الجداريات ويبني المعابد كأنه يقاوم الزمن، لأنه يريد أن يترك أثرًا يشهد أنه مرّ من هنا. لقد فهم الإنسان منذ البدء أن الأجساد تفنى، أما الصور فتبقى، ويظل الخيال قادرًا على مقاومة الفناء.
وليس من قبيل المصادفة أن يكون النص القرآني قد أعاد ترتيب هذه العلاقة حين قال تعالى: ﴿كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام﴾. ففي هذه الآية تتحدد المسافة بين الإنسان والله، بين الزائل والباقي، بين الصورة التي تذبل والمثال الذي لا يشيخ. إن الخلود هنا إنما لله وحده، ولذلك يغدو الفن مجرد اقترابٍ دائم من كمالٍ لا يُدرك. وربما لهذا السبب كان الإبداع الحقيقي، في الحضارات الدينية، يحمل دائمًا شيئًا من التواضع والخشوع فالفنان لا ينافس الخالق، بقدر ما يشهد على جمال الخلق.
غير أن الفن يحمل في داخله مفارقةً لا يمكن تجاهلها. فهو، كلما اقترب من الكمال، بدا وكأنه ينافس صاحبه. ولهذا لم يكن غريبًا أن يُتَّهم الأنبياء بالشعر أو بالسحر، لأن الشعر، مثل المعجزة، قادر على أن يبدّل العالم بالكلمات، وأن يجعل المستحيل ممكنًا داخل اللغة. وكان ردّ القرآن على هذه التهمة دفاعا عن النبوة وإعادةً لرسم الحدود بين الوحي والإبداع: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾، لم يكن المقصود الانتقاص من الشعر بوصفه فنًا، وإنما منع الالتباس بين سلطتين: سلطة الخيال وسلطة الحقيقة المطلقة. فالشاعر يخلق عالماً بالكلمات، أما النبي فيحمل كلمةً مقدسة ليست من صنعه، فهو مجرد رسول.
وهنا تتقاطع التجربة الإسلامية مع سؤال أفلاطون القديم. لماذا طرد أفلاطون الشعراء من مدينته الفاضلة وهو الذي جعل الجميل أحد وجوه الخير؟ لقد كان يخشى قوة الصورة. كان يرى أن الحقيقة تقيم في عالم المثل، وأن الأشياء المحسوسة ليست سوى ظلالٍ لتلك الحقائق، بينما يأتي الفن ليصنع ظلالًا جديدة لتلك الظلال. وهكذا يصبح الرسام أو الشاعر مقلدًا للمقلد، ويبتعد الإنسان خطوةً أخرى عن الحقيقة. إن الفن، عند أفلاطون، ليس بريئًا، لأنه يمتلك قدرةً مذهلة على جعل الوهم أكثر إقناعًا من الواقع.
غير أن التاريخ لم ينحز إلى أفلاطون. فقد انتصر الفن لأنه استطاع أن يقنع الإنسان بأن الحقيقة لا تُدرك بالعقل وحده. ومن هنا جاءت النهضة الأوروبية لتستعيد الجسد المقدس في صورة جديدة. كانت لوحات ورسوم وتماثيل مايكل أنجلو، ورفائيل، وليوناردو... لا تزال تدور حول المسيح والعذراء والأنبياء والملائكة. كانت السماء لا تزال موضوع الفن، حتى عندما صار الإنسان مركز اللوحة. ظل الفنان يرفع رأس الإنسان نحو الأعلى.
لكن شيئًا ما انكسر في الوعي والذوق الأوربي، منذ اللحظة التي أعلن فيها الإنسان الحديث استقلاله عن السماء. لم يحدث ذلك دفعةً واحدة، ولم يكن حدثًا لاهوتيًا بقدر ما كان انقلابًا في معنى النظر ذاته. فمنذ قرون طويلة كان الإنسان ينظر إلى الأعلى بحثًا عن الحقيقة، كانت العين ترتفع لأن مصدر النور كان دائمًا فوقها. غير أن الحداثة قلبت اتجاه البصر. أصبحت الأرض هي التي تعيد تفسير السماء. ومع هذه الحركة الهادئة، التي بدأت مع النهضة واشتدت مع الثورة العلمية، فقد الفن وظيفته القديمة بوصفه سلّمًا بين عالمين، وصار شيئًا آخر: مرآةً للإنسان بدل أن يكون نافذةً نحو المطلق.
أعلن نيتشه "موت الإله" المسيحي، لأنه كان يصف كارثةً حضارية. فبموت الإله لم يمت الدين وحده، وإنما فقدت كل القيم عمودها الفقري. ومنذ تلك اللحظة لم يعد الجمال انعكاسًا للكمال، بقدر ما أصبح تعبيرًا عن الرغبة، عن السوق ثم عن الاستهلاك. وهكذا أخذ الفن ينزل درجةً بعد أخرى: من المعبد إلى البلاط، ومن البلاط إلى المتحف، ومن المتحف إلى صالة المزادات، ومن صالة المزادات إلى شاشة الهاتف المحمول.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى. لقد ظل الإنسان يعتقد أنه يحرر الفن من سلطة المقدس، بينما كان في الحقيقة يسلمه إلى سلطة أكثر قسوة. فالإله لا يحتاج إلى عدد المتابعين واللايكات، ولا إلى نسب المشاهدة، ولا إلى خوارزمية ترفع هذا العمل وتدفن ذاك. أما السوق فتفعل. وما إن خرج الفن من هيمنة الكاهن حتى دخل، دون أن يشعر، في هيمنة المبرمج ومدير المنصة الرقمية. لقد تغير اسم السلطة فقط.
لهذا تبدو وادي السيليكون اليوم أكثر من مجرد تجمع لشركات التكنولوجيا العملاقة، إنها أولمب جديد، أولمب بآلهة من المهندسين والتقنيين يكتبون الأكواد ويصنعون الخوارزميات، ملاحم وأساطير الزمن المعاصر. وإذا كانت الأسطورة القديمة تفسر العالم، فإن الخوارزمية الجديدة تعيد تشكيله في كل لحظة. تعلمنا كيف نحب، تقرر أي صورة تستحق أن تُرى وأيها يجب أن تُدفن. لقد انتقلنا، من غير أن نشعر، من لاهوت الوحي إلى لاهوت البيانات.
في الحضارات القديمة كانت السماء تحتكر حق الرؤية. ولذلك كان الوحي دائمًا نزولًا من الأعلى إلى الأسفل، من الله إلى الإنسان، من المثال إلى العالم. حتى الفن، عندما كان يرسم أو يغني أو ينحت أو يشعر أو يحكي، كان يتطلع إلى ما فوقه. أما اليوم فإن الصورة نفسها أصبحت تصعد من الأسفل إلى الأعلى. الدرون يصور من مقام الآلة. والسيلفي يبحث عن الوجه كما تريده الشاشة. لقد انقلب اتجاه الصورة، لم تعد تنزل إلينا، نصنعها نحن ثم نطلب منها أن تمنحنا معنى وجودنا.
وهنا تستعاد أسطورة الكهف الأفلاطونية بصورة تكاد تكون ساخرة. كان سجناء الكهف يحسبون الظلال حقيقة لأنهم لم يروا الشمس. أما الإنسان الرقمي فقد رأى الشمس، ثم اختار أن يعود إلى الظلال بإرادته. شاشة الهاتف ليست إلا جدار الكهف الجديد، غير أن الفارق أن أحدًا لم يقيده إليها، لقد حملها بنفسه في جيبه، وصار يعود إليها مئات المرات في اليوم، باحثًا عن اعتراف لا يأتي إلا من صورٍ أخرى.
أصبحت المأساة أعمق مما تخيله أفلاطون نفسه. فالظل لم يعد يقلد الأصل، وإنما صار الأصل يقلد ظله. لم يعد الإنسان يلتقط الصورة لتوثق حياته، بقدر ما أصبح يعيش حياته لكي ينتج صورةً قابلة للنشر. وهكذا فقد الواقع امتيازه القديم، وصارت الصورة هي الأصل، بينما تحولت الحياة إلى مادة خام لإنتاجها. لقد وصف جان بودريار هذه الحالة حين تحدث عن المحاكاة التي تبتلع الواقع، لم تعد المحاكاة محاكاةً لإقليم أو لمرجع أو لجوهر، بل أصبحت إنتاجًا لواقع بلا أصل ولا مرجع، أي واقعًا فائقًا (Hyperreal)، لنأخذ مثالًا بسيطًا. قديما ترسم شجرة. إذن الشجرة موجودة ثم ترسمها. اليوم، حسب بودريار، يحدث العكس. شركة إعلانات تصنع صورة "العائلة السعيدة"، فيصبح الناس يقلدون تلك الصورة. إذن الصورة أصبحت هي الأصل والحياة تحاول تقليدها. ولهذا يقول بودريار إن: الخريطة أصبحت تسبق الأرض.
لكن الذكاء الاصطناعي منح الصورة بعدًا أكثر راديكالية، فهي لم تعد تحتاج أصلًا إلى أصل. يمكنها أن تخلق وجهًا لم يولد، وصوتًا لم يتكلم، ولوحةً لم يرسمها أحد، وذكرياتٍ لم تقع قط. إنها المرة الأولى في تاريخ البشرية التي تصبح فيها النسخة مستقلةً تمامًا عن الأصل. وهنا ربما يبدأ سخط "الآلهة الحقيقي". لأن الإنسان لم يعد يحتاج إلى العالم كي يرسمه. لقد صار يخلق عوالم كاملة من البيانات، كما لو أنه يعيد تمثيل فعل الخلق نفسه، ولكن من دون مسؤولية الخالق، ومن دون رحمته، ومن دون حكمته.
ولعل أخطر ما جرى في العصر الرقمي هو أن الصورة وهي تتكاثر، فقدت ذاكرتها. كانت الصورة، منذ رسوم الكهوف الأولى، وعدًا بالبقاء. كان الإنسان يرسم الثور على الجدار لأنه يخشى أن يبتلعه النسيان، وينحت وجه الميت لأنه يريد أن يمنحه عمرًا آخر داخل الحجر. كانت كل صورة تقاوم الفناء، ولذلك ارتبط الفن، في جوهره، بالذاكرة. أما اليوم فإن مليارات الصور التي تُنتج كل يوم تُستهلك ثم تُنسى. لم يعد الإنسان يخشى النسيان، صار يصنعه بيديه. إن فيض الصور يمحو العالم، لأن الذاكرة تُبنى بالندرة.
من هنا نتساءل هل بقي للصورة ما يستحق أن تشير إليه؟ لقد كانت كل صورة، في الأزمنة القديمة، نافذةً على غياب، تومئ إلى ما يتجاوزها. ولهذا كان المجاز ممكنًا، وكانت الاستعارة أرقى أشكال التفكير، لأنها لا تكتفي بتسمية الأشياء، بل تردها إلى أصلها المتعالي. حين يشبَّه وجه الحبيبة بالقمر، لا يكون القمر مجرد زينة بلاغية، وإنما يظل المثال الذي تستعير منه الأرض بعضًا من كمالها. وحين يتحدث القرآن عن النور والميزان والعرش والبحر والريح، فإنه يختار الصورة لأنها تفتح اللغة على ما يتجاوزها. كانت البلاغة، في أحد وجوهها، حفظًا للمسافة بين المرئي واللامرئي، بين الشيء ومثاله.
أما الصورة الرقمية فقد ألغت هذه المسافة. لم تعد تشير إلى شيء خارجها، أصبحت تشير فقط إلى نفسها. ولهذا انكمش المجاز، لأن العالم نفسه صار أقل قابليةً للاستعارة. كل شيء يريد أن يكون حاضرًا فورًا، مرئيًا فورًا، مستهلكًا فورًا. لم يعد هناك غياب يكفي لكي يولد الحنين، ولا صمت يكفي لكي تنبت القصيدة. لقد انتصر الوضوح إلى الحد الذي مات معه التأويل.
ولذلك يبدو الذكاء الاصطناعي، على الرغم من قدرته الهائلة على إنتاج الصور والقصائد والموسيقى، عاجزًا عن إنجاب المقدس. إنه يستطيع أن يقلد أسلوب مايكل أنجلو، وأن يكتب على طريقة المتنبي، وأن يرسم كما لو كان رامبرانت، لكنه لا يستطيع أن يعيش تلك الرعشة الأولى التي جعلت إنسانًا مجهولًا قبل آلاف السنين يرفع يده المرتجفة ليرسم على جدار كهف لأنه شعر أن في الظلمة عينًا أخرى تنظر إليه. فالإبداع دوما كان استجابةً لنداء خفي، لذلك كانت الحضارات القديمة تتحدث عن الإلهام، والوحي، والعبقرية، والروح، أكثر مما تتحدث عن المهارة.
وليس معنى ذلك أن التكنولوجيا عدوة للفن، كما لم تكن الطباعة يومًا عدوةً للكتاب، ولا التصوير عدوًا للرسم. إن المشكلة تبدأ عندما يتحول الوسيط إلى معبود، وعندما تصبح الخوارزمية هي المرجع الأخير للحقيقة والجمال. هنا نكون قد استبدلنا ميتافيزيقا بأخرى. وإذا كانت الأديان قد حذرت من عبادة الأصنام لأنها تنسب إلى الحجر ما ليس له، فإن الإنسان الرقمي يكاد يرتكب الفعل نفسه، ولكن بصورة أكثر تعقيدًا، إذ ينسب إلى البيانات ما كان ينسبه أسلافه إلى "الآلهة" الوثنية: العلم المطلق، والحضور المطلق، والقدرة على التنبؤ وصناعة المستقبل.
لهذا ينبغي أن نفهم سخط الآلهة بوصفه استعارةً عن اختلال ميزان العالم. فالأساطير كلها تقريبًا تخبرنا أن الآلهة تغضب حين ترى أن الإنسان قد نسي حدوده. كانت مأساة بروميثيوس أنه سرق النار، وكانت مأساة برج بابل أن البشر أرادوا بلوغ السماء بقوتهم وحدها، وكانت مأساة نرجس أنه عشق صورته حتى غرق فيها... هذه الحكايات تبدو عن حاضرنا. فما الشاشة التي نحملها إلا مرآة نرجس الجديدة، وما مراكز البيانات العملاقة إلا أبراج بابل من السيليكون، وما الذكاء الاصطناعي إلا نار جديدة سرقها الإنسان من حلمه القديم بأن يكون خالقًا.
تكمن المأساة في أن الإنسان ابتعد عن إنسانيته. فمنذ البداية كان الفن محاولةً لأن يصير الإنسان أكثر إنسانية. كانت القصيدة توسع الخيال، والموسيقى تهذب الألم، وكانت اللوحة تمنح العين قدرةً جديدة على التأمل. أما اليوم فقد أصبحت الصورة تختصر العالم وتختزله في الفلترات، وتسرّع الإحساس وتمنحنا انطباع المعرفة بدل مشقتها.
لذلك فإن السؤال الحقيقي في العصر الرقمي هو: هل ما زال الإنسان، وسط هذا الطوفان من الصور، قادرًا على الدهشة؟ لأن الدهشة، كما قال أرسطو، هي بداية الفلسفة وبداية الفن. وحين تموت الدهشة، يموت الإنسان الذي كان قادرًا على رؤيتها.
وهكذا يبدو أن التاريخ قد دار دورته كاملة. ففي البدء كان الفن يصعد من الأرض إلى السماء طلبًا للمعنى، أما اليوم فإن الصورة تهبط من الخوارزمية إلى الشاشات طلبًا للاستهلاك. وبين الرحلتين ضاعت مسافة كاملة من التأمل، وانكمش الزمن الذي كانت تنضج فيه القصائد والصلوات واللوحات. لقد كان الإنسان القديم يخشى أن يحل الفن محل الإله، أما الإنسان المعاصر فلم يعد يخشى أن تحل الخوارزمية محل الإنسان نفسه.
وربما ليس هذا هو سخط الجمال ذاته، حين يكتشف، بعد آلاف السنين، أن الإنسان لم يعد يرفع رأسه إلى السماء بحثًا عن النور، وإنما يُنكسه كل صباح أمام شاشة صغيرة، ينتظر منها أن تخبره من يكون.






