فن وإعلام

سعيد يقطين... أو فضيلة الاستمرار

طالب حسن

     كنت، قبل أيام، أقرأ أحدث مؤلفات الدكتور سعيد يقطين "السرديات ما بعد الكلاسيكية: مسارات واتجاهات" . وأي ناقد أدبي بالمغرب وفي العالم العربي ولاسيما إذا كان مهتما بالسرديات حريص على أن يقرأ ليقطين كل جديد يصدر له. شخصيا رافقت معظم أعمال يقطين منذ البدايات، شأن كثير من أبناء جيلي الذين تابعوا، على امتداد أربعة عقود، تشكل واحد من أكثر المشاريع النقدية العربية تماسكا واستمرارية. غير أن هذه القراءة الأخيرة دفعتني إلى التوقف عند سؤال بدا لي أكثر أهمية من مضمون الكتاب نفسه: من أين يستمد الناقد كل هذه القدرة على الاستمرار؟ وكيف استطاع أن يحافظ، بعد أكثر من أربعين عاما من البحث والتأليف والتدريس والمسؤوليات الجامعية، على الحماس نفسه، وعلى الشغف ذاته، وكأنه لا يزال في مستهل مشروعه الفكري؟

ولكي أجيب عن هذا السؤال، وجدتني أعود بالذاكرة إلى سنة 1985، حين صدر كتابه الأول "القراءة والتجربة". يومها لم يكن أحد يتوقع أن تلك الباكورة ستكون اللبنة الأولى في مشروع نقدي سيصبح، مع مرور الزمن، أحد أهم المشاريع التي عرفها النقد العربي الحديث. ثم جاءت بعد ذلك أعماله المرجعية، وفي مقدمتها "تحليل الخطاب الروائي" و"انفتاح النص الروائي"، لتؤكد أن الأمر لا يتعلق بباحث يحقق حضورا عابرا، بل بمفكر كان يرسم، منذ البداية، ملامح مشروع معرفي طويل النفس، يقوم على التراكم، والانضباط، والقدرة الدائمة على التعدد وطرح الأسئلة.

ومنذ ذلك التاريخ، لم يعرف اسم سعيد يقطين الغياب. فكل مرحلة من مساره كانت تفضي إلى مرحلة أخرى، وكل كتاب كان يفتح أفقا جديدا للبحث، من السرديات وتحليل الخطاب الروائي، إلى التراث السردي العربي، ثم إلى الثقافة الرقمية والأدب الرقمي وتحولات الوسائط الجديدة، في انتقال طبيعي يكشف عقلا علميا لا يكتفي بتكرار منجزه، بل يحرص على أن يظل في قلب التحولات المعرفية التي يعرفها العالم. وهذه القدرة على الانتقال من حقل إلى آخر دون التفريط في الصرامة المنهجية أو في وحدة المشروع، هي من السمات التي لا تتوافر إلا لقلة من الباحثين الذين ينظرون إلى المعرفة باعتبارها أفقا مفتوحا، لا اختصاصا مغلقا.

ولم يكن هذا العطاء العلمي منفصلا عن حضوره الجامعي والثقافي. فقد عاش يقطين الجامعة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى؛ أستاذا، ومؤطرا، ومشرفا على أجيال من الباحثين، ومشاركا في تقييم التكوينات الجامعية، وتقييم ملفات المسالك والماستر والدكتوراه، وفاعلا في اللجان العلمية، وعضوا في هيئات تحكيم الجوائز الأدبية، ومحاضرا زائرا في جامعات عربية وفرنسية، ومشاركا دائما في الندوات والمؤتمرات داخل المغرب وخارجه. وكان اللافت دائما أن هذه المسؤوليات الكثيرة لم تسرق منه وقته، ولم تضعف نسق إنتاجه، بل كانت تغذيه بأسئلة جديدة، وتزيد مشروعه ثراء واتساعا.

غير أن أكثر ما يستوقف المتأمل في تجربة سعيد يقطين ليس كثرة مؤلفاته، ولا تنوع اهتماماته، ولا حضوره العربي والدولي، على أهميتها جميعا، وإنما تلك القدرة النادرة على الاستمرار. فالحياة الثقافية العربية، شأنها شأن غيرها، عرفت أسماء لامعة ملأت الساحة حضورا وتأثيرا، ثم ما لبث بريقها أن خفت، إما لأن مشروعها بلغ مداه، وإما لأن انشغالات الإدارة والوظيفة استنفدت طاقتها، أو لأن التقاعد تحول، في الواقع، إلى تقاعد عن البحث والكتابة أيضا. أما المشاريع الفكرية الحقيقية، فإنها لا تستمد حيويتها من منصب، ولا من ظرف تاريخي عابر، وإنما من سؤال معرفي يظل مفتوحا، يتجدد كلما تقدم صاحبه في العمر والخبرة.

  من هذه الزاوية تبدو تجربة سعيد يقطين جديرة بالتأمل أكثر من كونها جديرة بالاحتفاء. فالإحالة على التقاعد لم تكن في حالته نهاية مرحلة، بل بداية مرحلة أخرى أكثر رحابة. فقد بدا وكأن الرجل تحرر من أعباء التدبير اليومي ليتفرغ أكثر للبحث والتأليف، فازدادت وتيرة إنتاجه، واتسع أفق اهتماماته، وتكثفت مشاركاته العلمية، مؤكدة أن الباحث الحقيقي لا يغادر الجامعة حين يغادر أسوارها، لأن الجامعة، في معناها الأعمق، ليست بناية ولا وظيفة، بل حالة ذهنية وأخلاقية، وعلاقة يومية بالمعرفة لا تعرف الإحالة على التقاعد.

   لعل هذا هو الدرس الأبلغ الذي تمنحه سيرة يقطين للأجيال الجديدة من الباحثين. فالمشروع الفكري لا يقاس بعدد الكتب وحده، ولا بحجم الشهرة التي يحققها صاحبه، وإنما بقدرته على أن يظل مشروعا حيا، يتجدد من الداخل، ويقاوم التكرار، ويطرح في كل مرحلة أسئلة جديدة. وربما لهذا السبب، كلما صدر لسعيد يقطين كتاب جديد، لا يشعر قارئه بأنه يطوي صفحة من مشروعه، بل يوقن أنه يفتح صفحة أخرى، وأن الرحلة مع المعرفة ما تزال مستمرة.

إن الاحتفاء بكل جديد عند يقطين، في نهاية المطاف، ليس احتفاء باسم فرد، مهما علت منزلته، بل احتفاء بقيمة أصبحنا في أمس الحاجة إليها داخل جامعاتنا ومؤسساتنا الثقافية: قيمة الاستمرار. فالجامعة لا تصنعها البنايات، ولا اللوائح التنظيمية، ولا المناصب الإدارية، وإنما يصنعها أولئك الذين يحولون المعرفة إلى أسلوب حياة، ويظلون أوفياء لها في كل مراحل العمر. ومن هذه الزاوية، لا يمثل يقطين مجرد ناقد كبير أغنى المكتبة العربية بعشرات المؤلفات المرجعية، وإنما يمثل أيضا نموذجا أخلاقيا للباحث الذي لم يسمح للزمن أن يطفئ جذوة السؤال فيه، وظل، بعد كل هذه السنوات، يكتب بعقل الباحث الذي لم يكتف بعد بما أنجز، ويقرأ بعين من يؤمن أن كل كتاب جديد ليس خاتمة طريق، بل بداية طريق آخر.

    ولعل هذا، في تقديري، هو السر الحقيقي وراء فرادة هذه التجربة؛ فالمشاريع الفكرية الكبرى لا تُخلَّد بكثرة مؤلفاتها وحدها، بل بقدرتها على البقاء حية ومتجددة، وعلى إلهام أجيال متعاقبة من الباحثين. وهذه هي الرسالة التي يجسدها يقطين منذ أربعة عقود: أن المعرفة ليست محطة يبلغها الإنسان، وإنما رحلة لا تنتهي، وأن الباحث الحقيقي لا يتقاعد من الفكر، لأنه اختار منذ البداية أن يجعل من الفكر وطنه الدائم. وإذا كان كثير من الدارسين يربطون اسم يقطين بالمرحلة التأسيسية للسرديات العربية، فإن مؤلفاته الأخيرة تكشف عن انتقال واضح من همّ التأسيس إلى همّ المراجعة والتطوير. ففي كتابه "السرديات التطبيقية: قراءات في سردية الرواية العربية" (2023) لا يكتفي باستثمار المفاهيم السردية في قراءة النصوص الروائية، وإنما يعيد اختبار صلاحية الأدوات النظرية نفسها داخل المتن العربي، فيجعل التطبيق فضاء لإنتاج المعرفة لا مجرد تنزيل آلي لمقولات جاهزة. أما كتابه "السرديات ما بعد الكلاسيكية: مسارات واتجاهات" (2023)، فيمثل انفتاحا صريحا على التحولات التي عرفها علم السرد عالميا، حيث لم يعد النص الأدبي وحده موضوع السرديات، بل امتدت اهتماماتها إلى الثقافة والإعلام والوسائط الرقمية والهوية والذاكرة، وهو ما يعكس حرصه الدائم على مواكبة أحدث المنعطفات النظرية دون التفريط في خصوصية السياق العربي. ويأتي كتاب "عتبات السرديات ومناصاتها: مقدمات وحوارات" (2023) ليضيء الجانب الآخر من مشروعه، إذ يجمع نصوصا تبدو متفرقة زمنا ومناسبة، لكنها تكشف عن وحدة فكرية عميقة؛ فمن خلال المقدمات والحوارات يعيد يقطين مساءلة مفاهيمه، ويوضح رهاناته المعرفية، ويقدم مفاتيح لفهم مسار مشروعه النقدي من الداخل. وهكذا تغدو هذه الكتب الثلاثة، مجتمعة، إعلانا عن مرحلة جديدة من التفكير السردي، قوامها الانتقال من بناء الجهاز المفاهيمي إلى مراجعة حدوده، ومن استيعاب النظريات إلى الإسهام في تجديدها.

واللافت أن هذه المؤلفات، على اختلاف موضوعاتها، لا تمثل قطيعة مع أعماله الأولى، بقدر ما تؤكد استمرارية مشروع نقدي ظل، منذ "القراءة والتجربة" و"تحليل الخطاب الروائي" يراهن على جعل النقد العربي طرفا فاعلا في إنتاج المعرفة، لا مجرد مستهلك للنظريات الوافدة. فكل كتاب جديد عند سعيد يقطين يبدو امتدادا لما سبقه، لكنه في الوقت نفسه مراجعة له وتجاوزه، وهو ما يفسر ذلك التماسك النادر الذي يميز مسيرته النقدية/الفكرية الممتدة على مدى أربعة عقود.

   أخيرا إذا كانت قيمة الناقد تُقاس بقدرته على تجديد الأسئلة قبل تقديم الأجوبة، فإن سعيد يقطين سيظل واحدا من الأسماء العربية القليلة التي ما تزال قادرة على مفاجأة قارئها في كل كتاب جديد. لذلك ليس من المبالغة القول إن القارئ العربي، والباحث على وجه الخصوص، يترقب بإمعان كل إصدار جديد له، ثقة في أنه سيجد فيه أفقا معرفيا جديدا، وسؤالا نقديا مغايرا، ورؤية متجددة تُثري الفكر النقدي العربي وتدفعه إلى مزيد من الحوار والتجدد. ومن هنا يبدو مشروعه مفتوحا على المستقبل، بقدر ما يظل عطاؤه جديرا بالمتابعة والاحتفاء.