صحة وعلوم

موجة الحر وقارورة الماء داخل السيارة... عادة يومية قد تُعرّضك لمواد كيميائية غير مرغوب فيها

هالة حريفي (دكتورة في علم وظائف الأعضاء، علم السموم والصحة)
مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، يحرص معظم الناس على حمل قنينة ماء معهم أينما ذهبوا لتجنب الجفاف. وكثيراً ما تُترك هذه القنينة داخل السيارة لساعات طويلة، اعتقاداً بأن الماء يبقى صالحاً للشرب ما دام لون القارورة أو طعم الماء لم يتغير. لكن ما لا يدركه الكثيرون هو أن الحرارة المرتفعة لا تؤثر فقط في درجة حرارة الماء، بل قد تُحدث تغيرات في المادة البلاستيكية نفسها، مما يسمح بانتقال بعض المركبات الكيميائية والجزيئات الدقيقة إلى الماء الذي نشربه.

تشير الدراسات إلى أن درجة الحرارة داخل سيارة مغلقة يمكن أن تتجاوز 60 أو حتى 70 درجة مئوية خلال فصل الصيف، خاصة إذا كانت السيارة متوقفة تحت أشعة الشمس المباشرة. وفي مثل هذه الظروف، تتعرض القوارير البلاستيكية لإجهاد حراري يؤدي إلى تغير تدريجي في بنيتها الكيميائية. وعلى الرغم من أن البلاستيك المصنوع منه معظم قوارير المياه، وهو البولي إيثيلين تيريفثالات (PET)، يُعتبر آمناً عند استخدامه في الظروف العادية، إلا أن تعرضه المتكرر أو الطويل للحرارة قد يزيد من تحرر بعض مكوناته أو الشوائب المرتبطة بعملية التصنيع إلى الماء.

ومن أبرز المواد التي تثير اهتمام الباحثين اليوم الجزيئات البلاستيكية الدقيقة (Microplastics) والجزيئات البلاستيكية متناهية الصغر (Nanoplastics)، وهي جزيئات تنتج عن تفتت البلاستيك مع مرور الوقت أو بفعل الحرارة والأشعة فوق البنفسجية. وقد أصبحت هذه الجزيئات محور اهتمام عالمي بعد أن تمكنت دراسات حديثة من رصدها في الدم البشري، والرئتين، والمشيمة، وحتى في بعض أنسجة الدماغ، وهو ما يطرح تساؤلات مهمة حول آثارها الصحية على المدى الطويل، رغم أن العديد من الجوانب لا تزال قيد البحث.

ولا يقتصر الأمر على الجزيئات البلاستيكية فقط، إذ يمكن أن تؤدي الحرارة أيضاً إلى زيادة انتقال بعض المركبات الكيميائية مثل مركبات الأنتيمون المستخدمة أثناء تصنيع قوارير PET، إضافة إلى الأسيتالديهيد الذي قد يتكون نتيجة التحلل الحراري للبلاستيك، كما قد تنتقل بعض المواد المعروفة بتأثيرها على الجهاز الهرموني مثل البيسفينولات والفثالات، خاصة إذا كانت القوارير من أنواع أخرى من البلاستيك أو أُعيد استخدامها بصورة متكررة. وتُعرف هذه المركبات باسم "مُعطِّلات الغدد الصماء" لأنها قد تتداخل مع عمل الهرمونات الطبيعية في الجسم.

ورغم أن شرب الماء من قنينة تعرضت للحرارة مرة واحدة لا يؤدي عادة إلى تسمم حاد أو أعراض فورية، فإن القلق العلمي يتركز حول التعرض المزمن والمتكرر لكميات صغيرة من هذه المواد. فالتعرض اليومي، ولو بجرعات منخفضة، قد يؤدي مع مرور الوقت إلى تراكم التأثيرات البيولوجية، خاصة لدى الأشخاص الذين يعتمدون باستمرار على المياه المعبأة في قوارير بلاستيكية تُترك داخل السيارات أو في أماكن شديدة الحرارة.

وقد أظهرت الأبحاث أن الجزيئات البلاستيكية الدقيقة قد تساهم في زيادة الإجهاد التأكسدي داخل الخلايا، وهو اختلال يحدث عندما ترتفع كمية الجذور الحرة مقارنة بقدرة الجسم على التخلص منها، مما قد يؤدي إلى تلف بعض المكونات الخلوية وتحفيز الالتهابات المزمنة. كما تشير دراسات أخرى إلى احتمال ارتباط التعرض الطويل لبعض المركبات البلاستيكية باضطرابات هرمونية، وتأثيرات على الخصوبة، ووظائف الغدة الدرقية، والتمثيل الغذائي، بل ويجري حالياً بحث دورها المحتمل في بعض الأمراض العصبية التنكسية وأمراض القلب والأوعية الدموية، إلا أن هذه العلاقة ما زالت تحتاج إلى مزيد من الأدلة العلمية لإثباتها بشكل قاطع.

وتُعد بعض الفئات أكثر حساسية لهذه المواد من غيرها، وعلى رأسها الأطفال، لأن أجهزتهم العصبية والهرمونية والمناعية لا تزال في مرحلة النمو، كما أن النساء الحوامل يُعتبرن من الفئات التي تستوجب عناية خاصة، إذ أظهرت بعض الدراسات أن بعض المركبات الكيميائية قد تعبر المشيمة وتصل إلى الجنين، مما يجعل تقليل التعرض لها أمراً مستحسناً خلال فترة الحمل.

ومن العادات التي تزيد من المشكلة إعادة استخدام القوارير البلاستيكية المخصصة للاستعمال الواحد. فمع تكرار فتحها وإغلاقها، وغسلها، وتعريضها للحرارة أو أشعة الشمس، تبدأ المادة البلاستيكية في فقدان جزء من تماسكها، وتظهر بها شقوق مجهرية غير مرئية، مما يسرّع من تحللها ويزيد من احتمال انتقال الجزيئات الدقيقة إلى الماء.

ولحسن الحظ، فإن الحد من هذا التعرض لا يتطلب إجراءات معقدة، بل يكفي اتباع بعض السلوكيات البسيطة. فمن الأفضل عدم ترك قوارير المياه داخل السيارة، خاصة أثناء موجات الحر، وعدم شرب الماء الذي بقي لساعات طويلة في بيئة شديدة الحرارة. كما يُنصح باستعمال قوارير مصنوعة من الزجاج أو الفولاذ المقاوم للصدأ عند الحاجة إلى الاحتفاظ بالماء لفترات طويلة، مع تجنب إعادة استخدام القوارير البلاستيكية أحادية الاستعمال واستبدال أي قارورة تعرضت للتشوه أو بقيت لفترة طويلة تحت أشعة الشمس.

وفي ظل تزايد موجات الحر المرتبطة بالتغيرات المناخية، لم يعد الاهتمام بكمية الماء التي نشربها وحدها كافياً، بل أصبح من الضروري أيضاً الانتباه إلى طريقة حفظ هذا الماء والوعاء الذي يُخزن فيه. فالحفاظ على الترطيب ضروري لحماية الجسم من آثار الحرارة، لكن اختيار وسيلة آمنة لتخزين مياه الشرب لا يقل أهمية، وهو إجراء بسيط قد يساهم في تقليل التعرض اليومي لمواد كيميائية قد تكون لها آثار صحية تراكمية على المدى البعيد.