قبل الخوض في تفاصيل أي قضية معروضة أمام القضاء، ومن باب رفع اللبس وتوضيح بعض المفاهيم القانونية التي قد يختلط فهمها على الرأي العام، أود التأكيد أن هذا التوضيح لا يهدف إلى تبني موقف مع أو ضد أي طرف، ولا إلى استباق ما ستنتهي إليه المحاكم من أحكام، وإنما يقتصر على شرح المسار الذي ينتهجه القضاء الفرنسي في هذا النوع من القضايا، حتى يكون النقاش مبنيا على فهم قانوني سليم بعيدا عن التأويلات والاستنتاجات المتسرعة.
ففي الآونة الأخيرة، لاحظنا أن كثيرا من المتابعين يخلطون بين قرار الإحالة إلى المحكمة وبين حكم الإدانة، في حين أن القانون الفرنسي يميز بينهما تمييزا جوهريا، ولكل منهما وظيفة ومعيار قانوني مختلف.
أولا: دور قاضي التحقيق
عندما تتعلق الوقائع بجناية خطيرة مثل الاغتصاب، يعهد بالملف إلى قاضي التحقيق، وهو قاض مستقل تتمثل مهمته في البحث عن الحقيقة من خلال جمع جميع عناصر القضية، سواء كانت في صالح الاتهام أو في صالح الدفاع.
وخلال هذه المرحلة، يستمع قاضي التحقيق إلى الأطراف والشهود، ويفحص التقارير الطبية والخبرات الفنية، ويطالع مختلف وسائل الإثبات المتاحة، ويأمر بما يراه ضروريا من إجراءات تحقيق، بهدف تكوين صورة متكاملة عن الوقائع موضوع المتابعة.
ومن المهم التأكيد أن قاضي التحقيق لا يكلف قانونا بالفصل في مسؤولية المتهم أو إصدار حكم بالإدانة أو البراءة، لأن هذا الاختصاص محفوظ لمحكمة الموضوع التي تنظر القضية لاحقا.
ثانيا: ماذا يقصد بوجود أدلة أو قرائن كافية للإحالة؟
عند انتهاء التحقيق، لا يطلب من قاضي التحقيق أن يحسم بصورة نهائية في مسألة الإدانة أو البراءة، لأن هذا الدور ينعقد حصرا لمحكمة الحكم.
فالسؤال الذي يطرحه قاضي التحقيق على نفسه ليس ما إذا كانت المسؤولية الجنائية للمتهم قد ثبتت بصورة نهائية لا تقبل الجدل، وإنما ما إذا كانت عناصر الملف تتضمن من الأدلة والقرائن ما يكفي لتبرير عرض القضية على المحكمة المختصة.
وبعبارة أخرى، فإن قاضي التحقيق لا يبحث عن اليقين القضائي المطلوب للإدانة، بل يتحقق مما إذا كانت الوقائع المدعى بها تستند إلى عناصر موضوعية وجدية تجعل من المحاكمة أمرا مشروعا ومبرراً قانونا.
فإذا انتهى إلى أن الأدلة المتوفرة غير كافية أو أن القرائن القائمة لا تسمح بقيام اتهام جدي، أصدر قرارا بعدم المتابعة.
أما إذا رأى أن الملف يتضمن من العناصر والقرائن ما يبرر مناقشة القضية أمام محكمة الموضوع، فإنه يصدر قرار الإحالة، تاركا للمحكمة سلطة التقدير النهائي للأدلة والفصل في المسؤولية الجنائية للمتهم.
ثالثا: الفرق بين الإحالة والإدانة
وهنا تكمن النقطة الأكثر أهمية والتي يختلط فهمها على كثير من الناس.
فالإحالة إلى المحكمة لا تعني أن الجريمة قد ثبتت، كما لا تعني أن المتهم أصبح مدانا. وإنما تعني فقط أن الملف تجاوز مرحلة الشك الأولي، وأصبح يتضمن عناصر وقرائن جدية تستوجب عرض القضية على قضاة الحكم.
أما الإدانة فهي مرحلة مختلفة تماما، إذ لا تتحقق إلا بعد أن تقتنع المحكمة، عقب المناقشة العلنية للوقائع ومواجهة الأطراف وسماع الشهود وفحص الأدلة والدفوع كافة، بأن التهمة ثابتة وفق المعيار الجنائي الذي يفرضه القانون.
ولهذا السبب، فإن قرار الإحالة لا يشكل حكما مسبقا بالإدانة، كما أنه ليس إجراء شكليا خاليا من الدلالة القانونية. فهو يعكس اقتناع قاضي التحقيق بوجود ما يبرر المحاكمة، دون أن يحسم نتيجتها.
ومن هنا نفهم لماذا تنتهي بعض الملفات، رغم إحالتها إلى المحكمة بعد أشهر أو سنوات من التحقيق، بأحكام بالبراءة، عندما ترى هيئة الحكم أن الأدلة المعروضة أمامها لا ترقى إلى المستوى المطلوب قانونا لإصدار حكم بالإدانة.
رابعا: مرحلة المحاكمة
بعد صدور قرار الإحالة تبدأ مرحلة المحاكمة، وهي المرحلة التي تمارس فيها المحكمة صلاحيتها الكاملة في تقدير الوقائع والأدلة.
وخلال هذه المرحلة تناقش جميع عناصر الملف بصورة علنية، ويمنح الادعاء والدفاع كامل الحق في عرض حججهما ودفوعهما، كما تفحص الأدلة والشهادات والخبرات من جديد أمام المحكمة.
وفي هذه المرحلة وحدها يحسم السؤال الجوهري:
هل ثبتت التهمة قانونا أم لا؟
وبناء على ذلك، يمكن للمحكمة أن تصدر حكما بالإدانة إذا اقتنعت بثبوت الوقائع وفق المعايير القانونية المطلوبة، كما يمكنها أن تصدر حكما بالبراءة إذا رأت أن الأدلة غير كافية أو أن الشك لا يزال قائما.
وعليه اقول ، إن التمييز بين قرار الإحالة وقرار الإدانة يعد من المبادئ الأساسية في العدالة الجنائية.
فالإحالة تعني أن قاضي التحقيق رأى وجود عناصر وقرائن كافية تستوجب المحاكمة.
أما الإدانة فلا تتحقق إلا بحكم صادر عن المحكمة المختصة بعد مناقشة القضية بكامل عناصرها وسماع جميع الأطراف وفحص الأدلة وفق الضمانات التي يقررها القانون.
لذلك فإن احترام قرينة البراءة يقتضي عدم اعتبار الإحالة حكما بالإدانة، كما أن احترام عمل القضاء يقتضي في الوقت نفسه عدم التقليل من أهمية قرار الإحالة باعتباره نتيجة لمرحلة تحقيق قضائي كاملة.
وبين هذين الأمرين تبقى الكلمة الأخيرة للمحكمة وحدها، فهي الجهة المخولة قانونا للفصل النهائي في المسؤولية الجنائية للمتهم، سواء بالإدانة أو بالبراءة.






