تتحدث عن التدقيق أمام الجماهير كأنك عراب الحقيقة، ثم تبتلع الطعم من المكالمة الأولى!
هذا هو الملخص المخزي للتسجيل الصوتي المسرب ل "الذبابة الرقمية" جيراندو.
شخص يبيع الوهم لمتابعيه حول "الأمن الرقمي" واليقظة، يجلس مستسلماً، هادئاً، ومنساباً في حديث مطول مع نكرة قدم نفسه باسم "مجد" وادعى أنه رجل أمن رفيع المستوى.
لا وثيقة هوية، لا استفسار عن الصفة، ولا حتى محاولة ذكية لإغلاق الهاتف.
فعل لا يرتكبه حتى طفل صغير أُتيحت له جرعة وعي بدائية.
سقطت النبرة الحادة، وتبخرت عنتريات المواجهة، وحلت مكانها مرونة مريبة وانفتاح مخجل على تفاوض "تحت الطاولة".
إنه مشهد كاريكاتوري بامتياز: "الحشرة" الذي صدع رؤوس الجميع بمحاضراته عن كشف الفخاخ، يضبط متلبساً وهو يلهو داخل إحدى المصائد!
المأساة الكوميدية هنا هي أن "مجد" هذا لم يكن سوى محتال محترف، أوقعه القضاء المغربي لاحقاً في شر أعماله بتهم الابتزاز والجرائم الإلكترونية التي تربطه بجيراندو نفسه.
"المبتِز" يقع ضحية ابتزاز، و"الراديكالي الشرس" يتحول إلى حمل وديع أمام هاو، و"كاشف المستور" ينكشف عارياً من أي مصداقية. لوحة سريالية صاغتها الحقيقة الساطعة التي لا تقبل الجدال.
وحين حوصر جيراندو بالفضيحة، لم يجد سوى الهروب إلى الأمام بـ "جبهة عريضة" وادعاءات بطولية حول رفض "عروض" الجهاز والتضحية من أجل المبادئ
كلام إنشائي مستهلك يصلح للمتاجرة بالعواطف، لكنه يصطدم بصخرة التسجيل الصوتي — ذلك الشاهد الأخرس الذي لا يرحم.
التسريب لم يسجل بطولة، ولم يوثق مواجهة، بل وثق استسلاماً مبطناً ونقاشاً هادئاً للبحث عن "مخارج" مع شبح مجهول.
هنا تظهر الحقيقة العارية: النضال عند جيراندو ليس مبدأً ثابتاً، بل سقف مطاطي يتمدد وينكمش حسب بورصة المصالح؛ صراخ وعويل أمام الكاميرات، ومساومات بائسة خلف الستائر.
قصة "مجد" ليست زلة لسان، بل هي "العقيدة التجارية" التي يشتغل بها جيراندو.
هذا الصرح الكرتوني بني بالكامل على:
-أشباح مجهولة الهوية والدوافع.
-شهادات منتحلة لأسماء مستعارة.
-"وثائق" مفبركة تطير في أول اختبار للتدقيق.
كلما كانت الكذبة أكثر فجاجة وإثارة، كلما كانت أسرع انتشاراً وأكثر دراً للأرباح.
في هذا المستنقع، لا يهم جيراندو إن كان مصدره موظفاً سيادياً أو نصاباً يقبع وراء قضبان السجون المغربية؛ المهم هو أن تخدم الخرافة روايته المسبقة.
هذه ليست صحافة، بل هي عملية تزييف ممنهجة للوعي، تبحث عن أي حطب لإشعال حرائقها، ولو كان هذا الحطب من صنع مجرمين ومحتالين.
ما كشفه هذا التسريب هو "البروفايل" الحقيقي لشخص يدير دكاناً سياسياً لا قضية وطنية:
▪️الهجوم عنده ليس إلا وسيلة لرفع السعر (إعلان).
▪️التراجع خطوة مدروسة لبدء الميجاوات (تفاوض).
▪️الشرف مجرد ورقة لعب تطرح على الطاولة حين ترفع الأرباح، وتُخفى تحتها حين تعيق الحركة.
لقد تجرع جيرندو من نفس الكأس التي ادعى سقايتها للآخرين.
ادعى الحذر فظهر في غاية السذاجة، وادعى العفة ففضح التسجيل لعابه السائل، وادعى الشرف فارتبط اسمه بنصاب وراء القضبان.
أطلق النار على الجميع، وفي النهاية، أصابت الرصاصة القاتلة مصداقيته المزعومة، ليتهاوى معها كبيت من ورق انهار مع أول هبة ريح.






