تحليل

الصراع الثقافي في المغرب: بين تدافع السرديات ومخاطر الاستقطاب الهوياتي

مصطفى المنوزي (رئيس أكاديمية الحكامة التشريعية والأمن القضائي)

يُثار بين الحين والآخر سؤال جوهري حول طبيعة التوترات الثقافية والفكرية التي يعرفها المغرب، وخاصة تلك التي تظهر أحيانًا بين بعض تيارات الإسلام السياسي وبعض مكونات الحركة الأمازيغية والثقافية. فهل يتعلق الأمر بصراع واعٍ ومنتج يساهم في تطوير النقاش العمومي وتوسيع أفق الديمقراطية، أم أننا أمام حالة من الاستقطاب الهوياتي التي قد تفضي إلى إضعاف الوحدة الوطنية وإرباك مسار البناء الديمقراطي؟

في الواقع، قد يكون من التبسيط الحديث عن "تيار الإسلام السياسي" و"تيار الأمازيغية الثقافية" باعتبارهما كتلتين متجانستين ومتقابلتين. فداخل كل منهما تعددية في الرؤى والمواقف والمرجعيات. كما أن الواقع المغربي يكشف عن تداخلات عديدة بين الانتماء الأمازيغي والانتماء الإسلامي، بحيث لا يمكن اختزال المجتمع في معسكرين متواجهين.

ومع ذلك، فإن الساحة الثقافية والسياسية المغربية عرفت، ولا تزال تعرف، أشكالًا من التنافس الرمزي والسردي حول أسئلة الهوية واللغة والذاكرة ومصادر الشرعية الثقافية. فبعض الفاعلين ذوي المرجعية الإسلامية يميلون إلى إعطاء مركزية أكبر للانتماء الحضاري والديني، بينما يركز بعض الفاعلين في الحقل الأمازيغي على الاعتراف بالتعدد الثقافي والتاريخي للمغرب وعلى ضرورة استعادة مكانة المكونات التي تعرضت للتهميش أو الإقصاء.

غير أن جوهر المسألة لا يتعلق بصراع بين الإسلام والأمازيغية، بقدر ما يتعلق بتنافس بين سرديات للهوية. فهناك سردية تجعل المرجعية الدينية الإطار المركزي لفهم الانتماء الجماعي، وسردية أخرى تمنح الأولوية للتعدد الثقافي والتاريخي باعتباره أساس بناء الهوية الوطنية. وعندما يُطرح هذا الاختلاف ضمن منطق الحوار والتدافع الفكري، فإنه يصبح عنصرًا من عناصر الحيوية الديمقراطية والإنتاج الثقافي.

ذلك أن الصراع الثقافي، في حد ذاته، ليس ظاهرة سلبية. فالمجتمعات الحية تتطور عبر النقاش والاختلاف والتنافس بين الأفكار. ومن هذه الزاوية، يمكن اعتبار جانب من النقاش الدائر في المغرب نقاشًا مثمرًا، لأنه أعاد طرح أسئلة كانت مهمشة لعقود، تتعلق باللغة والهوية والذاكرة والتراث وموقع الدين في المجال العمومي. كما ساهم في توسيع دائرة الوعي بالتعدد الذي يميز الشخصية المغربية.

لكن المشكلة تبدأ عندما ينتقل الخلاف من مستوى الصراع الفكري إلى مستوى التنازع الهوياتي. ففي هذه الحالة لا يعود النقاش منصبًا على تطوير الفهم المشترك أو توسيع فضاء الحرية، بل يتحول إلى صراع حول احتكار تعريف الوطن أو التاريخ أو الثقافة الشرعية. وهنا تصبح كل سردية ميالة إلى تقديم نفسها باعتبارها الممثل الوحيد للأصالة أو للشرعية أو للحقيقة الوطنية.

ومن منظور التفكير النقدي التوقعي، فإن الخطر لا يكمن في وجود الاختلاف، بل في تحويله إلى استقطاب دائم. فحين تُختزل الوطنية في هوية واحدة، أو يُختزل الدين في مشروع سياسي، أو تُختزل الأمازيغية في رد فعل مضاد لمكونات أخرى، يصبح المجال العمومي رهينة لمنطق "القبائل السردية" المتنافسة، بدل أن يكون فضاءً للمواطنة والتعددية والتداول الديمقراطي.

وتتجلى بعض أبعاد هذا التوتر في المواقف المتباينة من عدد من الممارسات والرموز الثقافية، مثل طقوس "بيلماون" أو بعض أشكال الاحتفال بعاشوراء. فبينما ينظر إليها البعض باعتبارها تعبيرًا عن الذاكرة والتراث الشعبي، ينظر إليها آخرون من زاوية مدى انسجامها مع تصور معين للمشروعية الدينية. وهنا يتجاوز النقاش حدود الطقس الاحتفالي ليصبح نقاشًا حول سلطة تعريف الثقافة المشروعة والذاكرة الشرعية.

لهذا، فإن التحدي المطروح أمام المغرب ليس القضاء على الاختلافات أو حسم الصراع لصالح سردية واحدة، بل بناء قدرة جماعية على إدارة التعدد وتحويله إلى مصدر للإبداع المدني. فالديمقراطية لا تقوم على غياب الخلاف، وإنما على تنظيمه وتأطيره ضمن قواعد مشتركة تضمن احترام الجميع.

ومن ثم، فإن الحاجة اليوم ليست إلى انتصار الإسلام السياسي على الأمازيغية الثقافية، ولا إلى انتصار الأمازيغية الثقافية على المرجعية الإسلامية، بل إلى بلورة سردية وطنية جامعة تستوعب مختلف الروافد التاريخية واللغوية والثقافية والدينية للمغرب، دون إذابة الفوارق المشروعة ودون تحويلها إلى خطوط مواجهة دائمة.

إن الصراع الثقافي يكون واعيًا ومنتجًا عندما يثري المجال العمومي ويُوسع أفق الحرية والاعتراف المتبادل، لكنه يتحول إلى عامل إضعاف للوحدة والديمقراطية عندما يصبح صراعًا على احتكار الهوية أو الذاكرة أو الوطنية. وبين هذين الأفقين يتحدد مستقبل النقاش الثقافي المغربي: إما باعتباره رافعة لبناء مجتمع تعددي ودولة مواطنة، أو باعتباره مدخلًا لإعادة إنتاج الاستقطابات التي تستنزف المجتمع وتؤجل أسئلته التنموية والديمقراطية الحقيقية.