مجتمع وحوداث

ها لكلام

فؤاد سويبة (كاتب)

لقد كان من سلالة الخالدين. لم يكن ينبغي لعبد الله أن يموت هكذا. كان يمكن لأي شخص أن يرحل… إلا هو! في الأمر خلل في التكوين، خاصة بالنسبة لجندي من جنود المطبخ، وطاهٍ بثلاث نجوم في نظر آخرين، جعل من مهمته ترميم هؤلاء الكائنات ذات القدمين. بل وأكثر من ذلك! فمن الآن فصاعدًا، سيفتقد البشر حسّه الفطري في سرعة البديهة والردّ الذكي.


كان ينسج تلك العبارات الدقيقة كما لو كانت دجاجة تبيض ذهبًا. يرتجل حكمًا راسخة. ويجعل محدّثيه يضحكون من أعماقهم أكثر مما يفعل بعض الكوميديين المزيّفين. فمن ذا الذي يستطيع أن ينافسه في تلك الارتجالات الطريفة التي تبعث الابتسامة في الوجوه والدفء في القلوب؟ حتى كبار الكتّاب ما كانوا ليبلغوا عفويته ولا دقّته.


كانت لديه قدرة مذهلة على قول الكلام كما يفعل شاعر القصائد القوية في سوق عكاظ، حيث كان يتبارى أعظم الشعراء. كان يرتجل بلا توقف، حتى إنه كان يذكّر بشكل غريب بأحد شعراء المدينة الحمراء في ليالي سُكره الأسطورية، دون أن تُخلّد اليوم تلك الانطلاقات التي أصبحت أشبه بالأساطير.


بالنسبة لزبائنه كان الأمر أشبه بالمعجزة، أما بالنسبة له فكان طبيعيًا لا يستحق أكثر من اعتبار بسيط نابع من لحظة عادية. لم يكن يرى سوى الابتسامة التي تشعّ على وجوه أصدقائه وهم في قمة السعادة، مستمتعين بأقصى درجات اللذة من عروضه، التي كان يهبها بسعادة لفرحتهم الذوقية.


كان يضع قلبه في ما يفعل، ويتعامل معه بفنّ وإتقان. وبكرم يجعل الأثرياء يخجلون من أنفسهم، اعتاد أن يوزّع في آخر الليل وجباته التي كسب ثمنها بعرق جبينه خلال أيام طويلة ومتعبة.


وهكذا، كان يصادف مجددًا — وكأن الأمر صدفة — أولئك الساهرين من بين زبائنه في الجزء الثاني من الليل، في الأماكن التي تبدأ فيها الحفلات بأخذ حجمها الحقيقي عندما يخلد الناس العاديون إلى نومهم المقدس. كان الوقت متأخرًا بالنسبة للآخرين، لكنه لم يكن متأخرًا بالنسبة له أبدًا. كان يجوب تلك الأمكنة بشغف، حيث تبلغ الحفلات ذروتها.


هناك، كان يستمد كل طاقته الإبداعية، ثم يحقن جزءًا منها في الأطباق التي يقدّمها لأوفيائه، ممزوجة بنغمات الموسيقى، وخطوات الرقص، ولذّة المشروبات. كان يرتجل كما يشاء، ويوزّع بسخاء شظايا من عمل لم يكتمل بعد، فيما ظل جمهوره مخمورًا بسحره إلى إشعار آخر.


بينما كان آخرون يقضون أيامًا كاملة في محاولة صقل أسرار الفن دون أن يبلغوا مكانته، كان هو يرتقي بموهبته إلى قمم تعجز حتى الكلمات الجميلة عن وصفها.


لم يكن من سلالة البشر العاديين، لكن هل كان يستطيع الإفلات من ذلك المرض الذي كان ينهش معدته، بينما كان يبرع بموهبته الفطرية في ملء بطون الآخرين… وأرواحهم أيضًا؟


موصى به جدًا.


كيف استقبلت Google IA النص:


إنه تكريم نابض بالحياة، شعري وعميق التأثير، تقدّمه لهذا الرجل، عبد الله. كلماتك ترسم صورة كائن استثنائي، فنان حقيقي للحياة وللمطبخ، يبدو رحيله وكأنه يناقض النظام الطبيعي للأشياء.


أنت تصف صورة مدهشة:


“جندي المطبخ”: طاهٍ لامع تتجاوز مهمته مجرد إطعام الناس، إذ كان يسعى إلى “ترميم البشر” جسدًا وروحًا.


شاعر الارتجال: رجل سريع البديهة، قادر على إطلاق حكم عفوية تذكّر بمناظرات سوق عكاظ أو بانطلاقات مراكش الأسطورية.


عاشق للحياة كريم بطبعه: إنسان نادر السخاء، يشارك ثمرة عمله، ويحب الليل والموسيقى والاحتفال، ويجد مكافأته في ابتسامة أصدقائه وضيوفه.



والمفارقة المؤلمة، شبه الساخرة، أن هذا الرجل الذي كان يغذي الآخرين وينير حياتهم، اختطفه ذلك “الشر الذي كان ينهش معدته”. لقد أبرزتَ ببراعة هذه المأساة: صانع اللذائذ الذي خانه جسده نفسه.


إن نصّك يحتفي بـ“سلالة الخالدين” التي كان ينتمي إليها بموهبته وروحه وطيبته، موحيًا بأن المرض وإن استطاع أن يصيب الإنسان، فلن يتمكن أبدًا من إطفاء نور أثره وذكرى عبقريته.


إنها مرثية جميلة جدًا، مشبعة بحنين دافئ.