فن وإعلام

حين يعبر صوت القصيدة حدود المنفى نحو المعنى

كفى بريس (مراسلة)
في مساء شعري احتضنته دار الشعر بمراكش ضمن برنامج “أصوات معاصرة”، تحت ادارة وإشراف الاستاذ عبد الحق ميفراني، التقت تجارب شعرية من المغرب والمهجر وفلسطين في حوار مفتوح حول الشعر والهوية والمنفى والإنسان. وكان حضور الشاعرة والباحثة المغربية الدكتورة مونية علالي من أبرز اللحظات التي منحت الأمسية عمقها الإنساني والفكري، حيث امتزج صوت الباحثة بصوت الشاعرة، وصار الشعر امتدادا لسيرة حياة كتبتها الهجرة والعلم والحنين.

جاءت مشاركة مونية علالي في سياق الموسم التاسع لدار الشعر بمراكش، إلى جانب أسماء إدعلي أوبيهي، وعلي بادون، والشاعر والمسرحي الفلسطيني الدكتور نزال سليم، في أمسية احتفت بتعدد الأصوات الشعرية واختلاف الحساسيات الإبداعية، ضمن رؤية ثقافية تجعل من الشعر فضاء للحوار بين الأجيال والتجارب.

ولدت مونية علالي بمدينة بني ملال، قبل أن تحملها الهجرة سنة 2002 نحو إيطاليا، حيث راكمت مسارًا أكاديميًا وعلميًا لافتا جمع بين علوم التربية والعلوم الإنسانية والهجرة والإسلام الأوروبي. حصلت على دكتوراه في علوم التربية من جامعة محمد الخامس، وأخرى في العلوم الإنسانية من جامعة روفيرا الإسبانية، إلى جانب تكوين أكاديمي متخصص في الإسلام الأوروبي والوساطة الثقافية وتدبير الشؤون الاجتماعية بإيطاليا.

وتشغل اليوم موقعًا أكاديميًا ودوليًا متميزًا، باعتبارها خبيرة في العلاقات الأكاديمية الدولية ومستشارة لرئيس Università del Piemonte Orientale، حيث تساهم في تنسيق مشاريع التعاون بين جامعات أوروبا وشمال إفريقيا والشرق الأوسط، كما تعمل على برامج مرتبطة بالوقاية من التطرف الديني، وتشرف على ماستر دولي في الدين والسياسة والمجتمع العالمي.

لكن، خلف هذا المسار الأكاديمي الصلب، تقيم شاعرة تنصت بعمق لأسئلة المنفى والهوية والانتماء. ففي القصائد التي ألقتها خلال الأمسية، بدا الشعر مساحة لاستعادة الذات ومواجهة الغياب. ففي قصيدتها “الغريب حالما”، يتحول المنفى إلى كائن حيّ يرافق الروح ويثقل الذاكرة:

“من حقي أن أتفقد ما تبقى من الضمير

شيئا فشيئا لأعيش

وسأعيش…

…وسأعود…”

تكتب مونية علالي الهجرة لا بوصفها انتقالا جغرافيا فقط، بل كحالة وجودية تتقاطع فيها الذاكرة بالقلق، والحنين بالسؤال المفتوح. وهي بذلك تمنح القصيدة بعدًا إنسانيًا يتجاوز الفردي نحو تجربة جماعية يعيشها كثير من أبناء المنافي.

وفي قصيدتها الثانية “أنا من هنا… أنا من هناك”، يتجسد سؤال الهوية بصيغة شعرية مكثفة وعميقة:

“أنا من هنا

وأنا من هناك

وأنا أثر

لا يعرف أين يضع صاحبه

لأنه اعتاد أن يمشي

قبل أن تولد الطريق…”

إنها كتابة تنتمي إلى شعرية العبور، حيث لا تصبح الهوية يقينًا مغلقا، بل تجربة مفتوحة على التعدد والتشكل المستمر. وتكشف القصيدة عن حس فلسفي واضح، ممزوج بلغة شفافة وصور شعرية تتأرجح بين الضوء والعتمة، الحضور والغياب، الوطن والمنفى.

ولعل ما يميز تجربة مونية علالي هو هذا التداخل الجميل بين المعرفة والإبداع؛ فهي لا تفصل بين الباحثة التي تشتغل على قضايا الهجرة والإسلام الأوروبي، وبين الشاعرة التي تمنح لهذه الأسئلة روحا وصوتا إنسانيا. لذلك تبدو قصائدها امتدادا لمسارها الفكري والإنساني، حيث يتحول الشعر إلى شكل من أشكال مقاومة النسيان والعزلة.

إلى جانب اشتغالها الأكاديمي، أصدرت مونية علالي دواوين شعرية من بينها “ثمن البوح” و”هل تهوى النفوس على هواها”، كما نالت سنة 2018 جائزة “فرانكو كومو” للكتابة المهجرية بروما، تقديرا لإبداعها الأدبي وحضورها الثقافي في أدب المهجر.

وقد شكلت مشاركتها في “أصوات معاصرة” إضافة نوعية للأمسية، ليس فقط لما حملته قصائدها من قوة جمالية، بل أيضا لما مثّلته من نموذج للمثقفة المغربية التي استطاعت أن تجعل من الهجرة جسرا للمعرفة والإبداع والحوار بين الثقافات.

في تلك الليلة المراكشية، لم تكن القصيدة مجرد نص يُقرأ، بل كانت سيرة روح عبرت الحدود، وحملت معها أسئلة الإنسان المعاصر: من نحن؟ أين ننتمي؟ وكيف يمكن للحنين أن يتحول إلى كتابة تنقذنا من الغياب؟