سياسة واقتصاد

تسقيف الأسعار بين حماية القدرة الشرائية والواقعية المالية والاقتصادية

عبد الحليم بنمبارك (باحث مختص في شؤون ضبط ومراقبة السوق)
عند انفجار كل أزمة عالمية ذات طبيعة (صحية، بيئية، حروب، ارتفاع الطاقة، ارتفاع التضخم، اضطراب سلاسل التوريد...) لا ينجو الاقتصاد الوطني من تبعاتها السلبية، وذلك بحكم الارتباط الوثيق للسوق المغربية بالأسواق العالمية. غير أن درجات الضرر تتفاوت من أزمة إلى أخرى حسب حجمها وضغطها الدولي وطبيعة مصدرها، حيث يظل النفط، كسلعة عالمية، لها تأثير قوي ليس فقط على المغرب، بل على باقي الدول التي تفتقر إلى مصادر الطاقة.

ففي الوقت الذي تغتني فيه الدول المصدرة بحكم ارتفاع الأسعار، تواجه الدول المستوردة للطاقة تحديات اقتصادية كبيرة نتيجة ارتفاع تكاليف الواردات النفطية. وقد احتدت الأزمة الراهنة بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، التي أثرت بشكل مباشر على تغير مسارات الشحن وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، علما بأن ارتفاع أسعار الوقود يمثل سببا رئيسيا لانتقال التضخم إلى بقية القطاعات الاقتصادية.

ولمواجهة تداعيات تقلبات الطاقة، يحرص المغرب على ضرورة تنويع مصادر الإمداد لتأمين احتياجاته بما يقلل من تأثير الانعكاسات الخطيرة للسوق العالمية على اقتصاد البلاد، وعدم اليأس من البحث والتنقيب، برا وبحرا، عن منابع نفط وطنية، خصوصًا وأن بلادنا تستورد معظم حاجياتها من هذه المواد التي أصبحت فاتورتها ضخمة جدًا وتضغط على التوازنات الماكرو-اقتصادية مع تبعاتها المقلقة على الميزانية. 

ولا بد من الإشارة هنا، إلى أن المغرب في سعيه لتأمين احتياجاته من الطاقة، يقود استراتيجية طموحة للطاقة المتجددة معتمدا على الطاقة الشمسية (مجمع نور ورزازات) والريحية بعدة مناطق، ويسعى أيضا لتعزيز النجاعة الطاقية وتطوير الهيدروجين الأخضر لتعزيز موقعه كشريك استراتيجي في الطاقة المستدامة، كما تحذوه آمال كبيرة في نجاح مشروع أنبوب الغاز نيجيريا-المغرب-أوروبا، لضمان ظروف مستقرة للاقتصاد الوطني، وتمكين 13 دولة إفريقية أخرى من الاستفادة من هذا المشروع الاستراتيجي.            

 تسقيف الأسعار، ضرورة أم مخاطرة:

أمام أزمة الطاقة الحالية، يعود إلى صدارة النقاش العمومي موضوع تسقيف الأسعار كحل من الحلول الاستثنائية/المرحلية، سعيا لحماية القدرة الشرائية للمواطنين، لاسيما ذوي الدخل المحدود، والمحافظة على التوازن في السوق وتأمين السلم الاجتماعي. 

كما هو معلوم، فإن تسقيف الأسعار هو إجراء قانوني تتخذه كافة حكومات العالم، في إطار الرقابة الإدارية على الأسواق، يتوخى تحديد حد أقصى لسعر بيع سلعة أو خدمة معينة لا يمكن تجاوزه، على أن تتحمل الدولة الفرق بين السعر الأصلي الحقيقي والسعر المعروض على المستهلك. 

كما يثار في نفس السياق، النقاش حول الصلاحيات المخولة للحكومة لتخفيض الضرائب والرسوم، كإجراء مؤقت لضمان استقرار الأسعار، على بعض السلع والخدمات الأساسية، لاسيما أسعار المحروقات، نظرا لارتباطها بأسعار كافة المنتوجات والخدمات. 

هذا الموضوع يتطلب منا دراسة هادئة، موضوعية وواقعية، بغاية البحث في أسباب عدم اتخاذ الحكومة ببلادنا، لإجراء تسقيف الأسعار، وكذا عدم إقدامها، في هذه الظرفية الحرجة، على تخفيض الضريبة على القيمة المضافة والرسم الداخلي على الاستهلاك، لاسيما بالنسبة لأسعار المحروقات، لدعم القدرة الشرائية، في ظل اضطرابات أسواق الطاقة العالمية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط والتي انعكست على كلفة النقل والإنتاج، حيث سجلت أسعار المحروقات ارتفاعات لافتة خلال شهر أبريل 2026 (ثلاث زيادات متتالية، بمعدل 5 دراهم للتر الواحد، لينتقل بذلك سعر الغازوال من 10,50 إلى 15,60 درهم).

موضوع تسقيف الأسعار ليس بالجديد، فقد سبق طرحه في السنوات الأخيرة، لاسيما بعد تحرير قطاع المحروقات سنة 2015، وتوالي الأزمات (من كورونا إلى حرب أوكرانيا إلى الجفاف إلى الفيضانات إلى حروب الشرق الأوسط،...) وتداعياتها المستنزفة لاقتصادنا الوطني ولجيوب المواطنين، حيث ظل هذا الخيار ولازال محل جدل واسع بين الفاعلين السياسيين والاقتصاديين والجمعويين والنقابيين.

الواضح أنه رغم توالي الأزمات خلال السنوات الأخيرة وآثارها على ارتفاع الأسعار، يبدو أن هناك قناعة راسخة لدى السلطات العمومية لتفادي اللجوء إلى إجراء تسقيف واسع للأسعار، المخول لها بموجب المادة 4 من القانون رقم 104 .12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة. 

وهنا ينبغي التساؤل حول الأسباب التي تدفع الحكومة إلى عدم اعتماد خيار تسقيف واسع للأسعار لمواجهة الارتفاع في الأسعار.

هناك مجموعة من الأسباب يمكن تقديمها لتفسير عدم اعتماد هذا الإجراء الذي قد يعتبر مُسَكنا ظرفيا ومخففا للأضرار على المدى القصير، لكنه يحمل، في الواقع، مخاطر مالية واقتصادية مباشرة، لاسيما منتجات النفط والغاز التي أصبحت فاتورتها ضخمة جدًا وتضغط على الميزانية، خصوصًا وأن بلادنا تستورد معظم حاجياتها من هذه المواد. 

من بين الآثار المباشرة وغير المباشرة لخيار تسقيف الأسعار، يمكن بسط العناصر التالية:

    • الكلفة المالية الكبيرة الناتجة عن تحمل الدولة للفرق بين السعر الحقيقي والسعر المفروض على المستهلك. وهناك تجربة سابقة مع الدعم الواسع للمحروقات عبر صندوق المقاصة، والذي إن كان قد أدى إلى استقرار في الأسعار، فإنه في المقابل كبد مالية الدولة أعباء مالية تجاوزت 50مليار درهم سنويا، مهددة بذلك التوازنات الماكرو-اقتصادية؛ 

    • خطر نقص الانتاج وزعزعة استقرار تموين الأسواق، من قبيل عزوف المستوردين عن الاستيراد في ظل غياب الحافز، توقف الأنشطة وعرقلة الانتاج، ظهور السوق السوداء مع مخاوف جدية بشأن تراجع الجودة واختفاء السلع والمنتجات، وما يرافق ذلك من مضاربات واحتكار وارتفاع في الأسعار؛ 

    • الحفاظ على التوازنات الكبرى من قبيل استقرار العملة، التأكيد على تبني نهج اقتصاد السوق، ضمان استمرار ثقة المستثمرين والمؤسسات الدولية، باعتبار أن أي تدخل قوي في الأسعار قد يُفهم كتراجع عن سياسات مكلفة وغير مستقرة.

هكذا، فالمقاربة المعتمدة، خلال فترات الأزمة، لمواجهة ارتباك الأسواق تبدو أنها مبنية على فكرة أساسية قوامها عدم تبني تسقيف واسع للأسعار، بل طرح نموذج هجين يرتكز على: دعم موجه ذو (بعد اجتماعي)، الحفاظ على التوازن المالي (استقرار الميزانية) وضمان تموين منتظم للأسواق مع مخزون استراتيجي كاف. لذلك فضّل المغرب تجنّبه والتركيز على حلول أكثر استهدافًا واستدامة، حتى لا يتحول الحل الظرفي المُسَكِن إلى مصدر أزمة جديدة.

ويتضح هذا النهج من خلال الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها لمواجهة آثار ارتفاع أسعار الطاقة، أذكر من بين أهمها:

    • دعم مهنيي النقل بمختلف أصنافه: من خلال مواصلة صرف دعم مباشر واستثنائي لمهنيي القطاع تفاديا لارتفاع أسعار النقل والسلع والخدمات، (تقديم دعم يصل إلى 3 دراهم لكل لتر)؛ 

    • دعم غاز البوتان: تحمل الدولة لتكاليف دعم قنينات غاز البوتان بهدف الحفاظ على استقرار الأسعار، مع الإشارة، حسب الوزارة المعنية، إلى أن قيمة الدعم الموجه لغاز البوتان قد ارتفعت إلى 78 درهما لقنينة 12 كيلوغراما، مقابل 30 درهما قبل اندلاع الحرب؛ 

    • دعم أسعار الكهرباء: من خلال الإبقاء على نفس التعريفة المعمول بها، تفاديا لأي زيادات قد تثقل كاهل الأسر والمقاولات، بفعل تزايد الضغط على كلفة الإنتاج؛

    • فتح اعتمادات مالية إضافية.

وجبت الاشارة إلى أن فكرة تسقيف الأسعار ليست تدبيرا محليا صرفا، بل ميكانيزما تنهجه مجموعة من الدول عند الأزمات، نظرا لكلفته المالية الباهظة. ولنا في دولة إسبانيا التي عملت على تسقيف سعر الغاز المستخدم في إنتاج الكهرباء فقط وتركت السوق يعمل بشكل عادي، وفرنسا التي سبق لها أن فرضت ما يسمى ب "الدرع السعري" على الكهرباء والغاز لكن بتكلفة ضخمة جدًا على الميزانية، فيما اكتفت مصر خلال الأزمة الحالية بالتدخل في تسقيف بعض أسعار السلع الأساسية، كما حدث مع مادة الخبز. 

-المحافظة إلى التوازن في السوق وتأمين السلم الاجتماعي:

إن الأزمات الاقتصادية في العادة تكون محكا لاختبار مدى قدرة السلطات العمومية على مواجهتها، والبحث عن الحلول الناجعة للتخفيف من حدتها حفاظا على التوازن في السوق. 

فما من شك، أن المغرب قد تمكن من تحقيق درجة مهمة من الصمود أمام الصدمات المتعددة التي أعقبت كوفيد 19، وامتصاص جزء مهم من آثارها السلبية وتفادي اختلالات اقتصادية كبيرة، وذلك بفعل إصلاحات اقتصادية هيكلية وإجراءات استباقية. وهذا مؤشر مطمئن على قدرة بلادنا على تجاوز إكراهات وتداعيات هذه الظرفية العسيرة.

غير أنه بغاية الحفاظ على المكتسبات المحققة، فالسلطات العمومية باتت مطالبة اليوم باتخاذ تدابير أكثر نجاعة ومسؤولية من بينها: 

    • تحمل الحكومة ومجلس المنافسة لمسؤوليتهما في ملف المحروقات. فعلى مجلس المنافسة أن يباشر صلاحياته في التحقيق وردع الممارسات المنافية للمنافسة والأعمال التجارية غير المشروعة، من قبيل شبهة تعمد شركات توزيع الوقود عدم تزويد محطات الوقود بالطلبيات أو تقليصها، وذلك استباقا لزيادات مرتقبة في الأسعار(تحيين منتصف الشهر) بهدف استغلال المخزون وبيعه بهامش ربح أعلى. كما يطرح التساؤل حول تطبيق الشركات لسعر موحد في بيع الوقود، مما يفرض التحقيق في فرضية تواطؤ في الأسعار. كما يتعين على المجلس تعزيز آليات تتبع انتقال تغيرات الأسعار الدولية للمواد النفطية إلى السوق الوطنية (ترتفع سريعا عند ارتفاعها عالميًا وتنخفض ببطء عند انخفاضها)، بما يضمن مراقبة المخزون وتفادي استغلاله لتحقيق أرباح استثنائية؛

    • بذل مجهود مالي إضافي يوازن بين إكراهات الميزانية والقدرة الشرائية للمستهلك، من خلال تخفيض الضريبة على القيمة المضافة والرسم الداخلي على الاستهلاك المفروض على المحروقات، اعتبارا لارتباط أسعار هذه المواد بأسعار كافة المواد والخدمات؛

    • تنظيم وتحديث مسالك التوزيع بغاية محاربة الوسطاء وتطويق ظاهرة الاحتكار والمضاربة، باعتبار أن تنظيم هذه المسالك له ارتباط مباشر بضبط مستوى الأسعار؛

    • محاربة ظاهرة الفساد التي تحد عمليا من مصداقية كل أداء حكومي، فهي داء ينخر بقوة جسم المجتمع. إنها إحدى الرهانات التي يتعين تطويقها لكسب رهان النهوض الاقتصادي في البلاد وتعزيز ثقة المواطن في مؤسساته، والمحافظة بالتالي على السلم الاجتماعي، وهي مسؤولية مشتركة بين القطاعين العام والخاص، كما أنها تتطلب قيام المؤسسات الدستورية والقضائية بمسؤولياتها وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

خلاصة القول، وارتباطا بخيار تسقيف الأسعار الذي يأتي نتيجة لإكراهات تفرضها اعتبارات السوق وارتباط الاقتصاد الوطني بالظروف الدولية، لابد من إثارة الانتباه إلى التحديات التي يواجهها المغرب والتي تكمن في السعي لتحقيق قدر من التوازن بين العدالة الاجتماعية والتوازنات الماكرو-اقتصادية. 

لقد تمكن المغرب من تحقيق نجاحات في مجالات البنية التحتية، والصناعة، وسلاسل القيمة العالمية، والانتقال الطاقي والتحول الرقمي وتعزيز الانتاجية وغيرها، بالشكل الذي ضاعف القوة الاقتصادية للبلاد، هذه القوة توفر له حائط صد يجنبه اللجوء إلى تلك الاختيارات الصعبة زمن الأزمات، لضمان استقرار السوق وتدعيم القدرة الشرائية للمواطن.

غير أن هذه الدينامية الاقتصادية تواجه بارتفاع الفساد والرشوة وتنامي مظاهر سوء التدبير وغياب العدالة المجالية إضافة إلى ضعف سوق الشغل والارتفاع المقلق وغير مسبوق في نسب البطالة، وتدهور القدرة الشرائية للمواطنين، وهذه مفارقة غريبة لا تنسجم مع معدلات النمو التي يحققها المغرب، وهذا ما أكدته المندوبية السامية للتخطيط والتقرير الأخير للبنك الدولي الذي وصف الاقتصاد المغربي ب: " اقتصاد ينمو من حيث الأرقام، لكنه يتعثر في خلق فرص الشغل بالوتيرة التي يفرضها تطور الساكنة النشيطة". هذه العثرات البالغة الأثر التي تنعكس بشكل سلبي على المعيش اليومي للمواطن، تستدعي إرادة سياسية مواطنة كفيلة بوضع استراتيجية واضحة المعالم تسعى لتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية والاستقرار الاقتصادي.