في روايته الشهيرة، " موسم الهجرة إلى الشمال" قارب الأديب الطيب صالح أزمة الهوية الثقافية التي يتقاطع فيها التاريخ بالسياسة من خلال ما يعانيه الإنسان حينما يجد نفسه في قلب حضارة، تختلف جذريا مع بيئته وتنشئتة الاجتماعية، لكن وعلى خلاف ذلك فإن " موسم العودة الى دار الشباب"، هو محاولة لاستعادة لما يصفه دوما رواد هذه المؤسسات ب"الزمن الجميل" الذي ساهم ما بين سبعينات وتسعينات القرن الماضي، رغم صعوبة سياقات هذه المرحلة، في تنشئتهم الاجتماعية، وشحذ وعيهم الفكري والثقافي والتربوي .
ليس الهدف ها هنا التوقف عند رواية " هجرة" الطيب صالح، لكن لنحكى عن موسم " العودة " إلى دار للشباب على الساحل الأطلسي للمملكة على بعد كلمترات قليلة من العاصمة الرباط، وذلك عبر بوابة الجمعية المغربية لتربية الشبيبة AMEJ ، بمناسبة تخليد فرعها بتمارة للذكرى الخمسينية على احداثه سنة 1976، التي شكلت " محطة رمزية تاريخية تستحضر 50 سنة من الالتزام المتواصل، ظل فيها الفرع فضاءً للتكوين، وغرس قيم المواطنة والتضامن، من خلال تنظيم أنشطة تربوية وثقافية، استفاد منها مختلف الفئات العمرية". كما جاء في بلاغ للمنظمين.
كانت القاعة الكبرى بدار الشباب وهي الوحيدة بجماعة الهرهورة التي تحولت جغرافيتها السكانية، لاستقطابها نخبا من العاصمة، غاصة يأجيال من " الأميجيات" و"الأميجيين"، ( كما يحلو لأطر وأعضاء الجمعية وصف أنفسهم) اناثا وذكورا من كافة الأعمار ومن مختلف المستويات والحساسيات، حضروا بكثافة في ندوة علمية، استحضر فيها المشاركون مسار هذه الجمعية واسهامها المتواصل في العمل التربوي والتأطيري للشباب والطفولة، والسبل الكفيلة برفع التحديات المطروحة، والرهانات المستقبلية في ظل التحولات المجتمعية والتكنولوجية.
شارك في هذه الندوة عدد من الفعاليات العلمية كلهم من خريجي مدرسة أسرة لاميج، وهم ( ن ) الأستاذ كيداي عبد اللطيف عميد كلية علوم التربية بجامعة محمد الخامس بالرباط، والفاعل المدني عثمان مخون الكاتب العام للمعهد الملكي لتكوين أطر الشباب والرياضة والأستاذة الباحثة في التاريخ خديجة بن بوسلهام رئيسة حلقة الوفاء لذاكرة محمد الحيحي والكاتب الصحافي جمال المحافظ مدير الاعلام السابق بوكالة المغرب العربي للأنباء والأستاذ الجامعي خليل سعدي أحد قياديي لاميج، وفرعها بمدينة تمارة.
الذات الجماعية
و في معرض تساؤله، كيف يتحول الفضاء التربوي إلى ورشة لصناعة المعنى؟ أشار الأستاذ عبد اللطيف كداي، في مداخلته إلى أن تجربة فرع لامييج بتمارة، لم تكن مجرد محطة في مساره، إنها بكل المقاييس لحظة كثافة جماعية نادرة، تقاطعت فيها حيوية الشباب مع الإحساس العميق بالمسؤولية، تحول فيها الفعل التربوي من مجرد أنشطة متفرقة إلى ما يشبه ورشة يومية لصناعة الذات الجماعية، موضحا أن تلك الذات التي لا تتشكل في عزلة، إنما في تماس دائم مع الآخرين، ومع المعنى الذي نصنعه اليوم.
وبعدما ذكر ببعض المبادرات والانشطة التي كان ينظمها فرع تمارة، قال: " كنا نعيش تجربة جماعة لاتقوم فقط على التقارب الفيزيائي، بل على المشروع المشترك، كنا من خلال لامييج، نحمل مشروع تغيير المجتمع عبر بوابة الثقافة البديلة التي تناهض الثقافة السائدة.. كنا مؤمنين أن ما نقوم به يتجاوزنا كأفراد، حيث تتشكل عبر الممارسة اليومية، بنى عميقة توجه إدراكنا للعالم وطريقتنا للفعل داخله ".
وأكد إن فرع جمعية AMEJ بتمارة لم يكن فقط مدرسة للتربية، لقد كان أيضا مدرسة للسياسة بمعناها النبيل، السياسة التي تبنى من الأسفل، وتتشكل عبر الفعل، لا عن طريق الشعارات والتي بالفعل تعلم الإنسان، كيف يكون فاعلا قبل أن يكون منتميا، وكيف يتحمل المسؤولية، معربا عن اعتقاده بأن ما يجعل هذه التجربة تستحق الاستعادة، ليس فقط ما حققته في حينه، بل ما تكشفه لنا، بعد كل هذه السنوات، من دروس عميقة، مفادها أن الالتزام لا يولد انطلاقا في الخطابات، إنه يولد من خلال التجارب التي تعاش، وأن جماعة حين تكون حية ومؤطرة بقيم واضحة، قادرة على أن تصنع من أفراد عاديين دوات قادرة على الفعل، وعلى الحلم، وعلى الاستمرار، وهي في نهاية المطاف أعظم وظيفة يمكن أن تضطلع بها أي تجربة تربوية حقيقية.
يقظة، وتجديد
أما الفاعل المدني عثمان ماخون، فعنون مداخلته ب" جمعيات الشباب بالمغرب أمام زلزال الذكاء الاصطناعي: من العمل التقليدي إلى صناعة الوعي والتحرر"، ركز فيها، على ما وصفها ب" الأسئلة المقلقة" التي تطرح على الجمعيات، متسائلا في هذا الصدد، هل جمعياتنا اليوم قادرة فعلا على فهم العالم الذي يعيش فيه الشباب؟ وهل ما زلنا نخاطب شباب اليوم بلغة الأمس؟ وهل نعرف ماذا يشاهدون؟ ماذا يصدقون؟ ممن يتأثرون؟ ما الذي يخيفهم؟ ما الذي يغريهم؟.
واسترسل في أسئلته بالقول هل نحن نربيهم على الحرية، أم نملأ وقت فراغهم فقط؟ وهل نساعدهم على إنتاج المعنى، أم نتركهم يستهلكون المعنى المصنوع لهم؟ هل سنسمح للذكاء الاصطناعي وللخوارزميات أن تصبح أداة جديدة لهيمنة الأقوياء على الضعفاء؟ وكذلك هل سنترك أبناء الفئات الشعبية يستهلكون التكنولوجيا، بينما يتعلم أبناء الفئات الاجتماعية الميسورة كيف يتحكمون فيها؟و هل نحن أمام فرصة لتحرير الشباب، أم أمام خطر تدجينهم؟
بيد أن عثمان مخون المدير الجهوي السابق لوزارة الشباب والرياضة، استدرك بالقول بأن " هذه الأسئلة ليست للتشاؤم، بل إنها دعوة إلى اليقظة، ولتجديد أدوات وأسلحة المقاومة لدى الشباب، مؤكدا بأنه إذا كان العالم يتغير، فلا يمكن للجمعيات أن تبقى ثابتة، وإذا كانت التكنولوجيا، تعيد تشكيل العقول والقيم والعلاقات، فلا يمكن للعمل الجمعوي، أن يظل حبيس الأدوار التقليدية. وخلص الى القول نحن بحاجة إلى تحول كبير لأن المطلوب اليوم ليس فقط تربية رقمية تقنية، بل تربية رقمية نقدية، تقوم على ما وصفه بكفاءات الشك والتحقق وحماية الذات والإبداع والمواطنة.
المجتمع المدني ومحيطه
أما خديجة بن بوسلهام رئيسة حلقة الوفاء لذاكرة محمد الحيحي،فقالت في معرض حديثها عن العلاقة القائمة ما بين العمل الجمعوي ومحيطه، بأن انفتاح المجتمع المدني على المحيط المجاور في تدبير الشأن المحلي ليس بالشيء الجديد بالجماعات والمدن والقرى، فالجمعية المغربية لتربية الشبيبة، كانت من بين أوائل المنظمات التي انفتحت على المجتمع المدني وساهمت في رعاية وتأطير الساكنة.
فإلى جانب اهتمامها بالطفولة والشباب، ذكرت بن بوسلهام بأن الجمعية المغربية لتربية الشبيبة، عملت على توسيع دائرة نشاطها من خلال فروعها في المدن والمداشر بربوع البلاد، ليشمل كذلك دور المسنين والمشردين والأشخاص في وضعية صعبة. كما توقفت عند بعض البرامج و الانشطة المتميزة التي نظمها فرع جمعية لاميج بتمارة، كبرامج محو الأمية، و"مبادرة القراءة من أجل النجاح Lire pour réussir" وحملات التوعية والسلامة الطرقية منذ تسعينات القرن الماضي.
وأضافت أن ذلك أضفى على الجمعية تنوعا وساهم في انفتاح المجتمع المدني على المؤسسات التعليمية وجعله شريكا فعالا لبناء وترسيخ المواطنة الهادفة لدى الناشئة والجيل الصاعد، فضلا عن انفتاح الجمعية على الفئات الهشة داخل المجتمع.
استشراف المستقبل
أما الجامعي خليل سعدي، فتوقف في مداخلته عند محطات من عمل جمعية لامييج بمدينة تمارة وإبراز التجارب والإنجازات في مجال التأطير التربوي والشبابي، والتحديات الراهنة واستشراف آفاق المستقبل، علاوة على علاقة الشباب بالتحولات المجتمعية وسبل تعزيز التواصل بين الفاعلين الجمعويين والمهتمين بالشأن المحلي مبرزا أن الاحتفاء بخمسين سنة من العطاء يشكل لحظة وفاء لذاكرة رئيسية للعمل الجمعوي الجاد، كما يمثل من جهة أخرى انطلاقة جديدة نحو المستقبل، من أجل تعزيز دور الجمعية، كفاعل أساسي في تأطير الشباب والمساهمة في نفس الوقت في التنمية المحلية بمدينة تمارة.
واعتبر جمال المحافظ رئيس المركز المغاربي للدراسات والأبحاث في الاعلام والاتصال، أن الحديث عن مسار العمل الجمعوي والأداء المدني بالمغرب، لا يمكن أن يستقيم، بدون استحضار التجربة الغنية للجمعية المغربية لتربية الشبيبة التي ساهمت في مشاريع وطنية كبرى، في مقدمتها طريق الوحدة، والتي قال المهدى بن بركة بعد انجازها " لولا المساهمة الفعلية لأطر هذه الجمعية، لما كان لهذا المشروع أن يحقق أهدافه".
AMEJ لا تموت
وأضاف أن طريق الوحدة لم يكن العلامة المضيئة الوحيدة، في مشاريع هذه الجمعية الوطنية، بل كانت لها مساهمات كبرى أخرى خاصة حملات محاربة الأمية والتشجير والأوراش وفي مجال الخدمات الاجتماعية، والمخيمات التربوية.
وأشار من جهة أخرى الى أن الجمعية المغربية لتربية الشبيبة، كانت من أولى المنظمات التي انتبهت في وقت مبكر إلى أهمية الاستثمار في الإنسان والاعتماد على البعد التربوي والثقافي كقطاع غيار لبناء المغرب الجديد.
غير أنه المحافظ عضو المكتب المركزي للاميج سابقا الأستاذ الجامعي الزائر، أكد بأنه إذا كان استمرار جمعية AMEJ، طيلة 70 سنة من العطاء المتجدد، يعود لصمود أطرها وأعضائها، وهو ما جعلها تواصل اشعاعها والالتزام بقيم التطوع، والمساهمة في تربية الأطفال وتكوين الشباب، مبرزا بأنه إذا كانت الأجيال التي مرت ب"مدرسة لاميج "، متنوعة في تصوراتها وانتماءاتها السياسية والاجتماعية والمجالية.
غير أنه شدد في هذه الندوة التي قدمت خلالها شهادات من عدد من مؤسسي وقدماء فرع الجمعية بتمارة ، وتوزيع شهادات تكريم على أن كل أجيال الجمعية التي تحتفل هذه السنة، بذكرى مرور 70 سنة على تأسيسها في 18 ماي 1956، مدة ليس بالسهل من السهل في مغرب التحولات، أن تحققه أي منظمة مدنية، تجمع على الاعتراف بالدور الهام الذى لعبته في تنشئتها الاجتماعية وفي مساراتها. وقال إن AMEJ بهذا العمق التاريخي والرصيد التاريخي والرمزي، وإن كان يحتاج الى التأمل والدراسة، فإنه يدل بالملموس بأن الجمعيات الجادة، لا تموت أبدا، رغم ما قد تعرفه من الفتور أحيانا، لأسباب منها ما هو موضوعي وذاتي كذلك.







