سياسة واقتصاد

الشناقة.. الحلقة المفقودة التي تحول "وفرة" اللحوم إلى غلاء غير مبرر

الحسن زاين
تفتتح الأسواق الوطنية أبوابها يومياً على إيقاع صادم يكرس الهوة الشاسعة بين الخطاب المهني والواقع المعيش؛ فبينما يصر فاعلو قطاع اللحوم الحمراء على أن الأسواق تشهد "وفرة" في العرض بفضل الرؤوس المحلية والمستوردة، يواجه المواطن "لهيباً" غير مسبوق في الأثمان لا يعكس بتاتاً هذه التطمينات. 

وأثار هذا التناقض موجة سخط عارمة لدى المستهلك الذي بات يرى في شعارات "الوفرة" مجرد حبر على ورق، ما دام سعر الكيلوغرام من لحم البقر يرفض النزول عن عتبة 100 درهم، في حين حلق لحم "الغنمي" بعيداً متجاوزاً حاجز 130 درهماً، في مشهد ينم عن أزمة صامتة تنهش القدرة الشرائية للمغاربة.

​ويرى مراقبون أن "اللغز" الكامن وراء استقرار هذه الأسعار في مستويات قياسية، رغم الدعم الحكومي وتسهيلات الاستيراد، يكمن في تغول "الشناقة" وتعدد الوسطاء الذين يفرضون منطقهم على سلسلة التوريد. فهذه الحلقات المتعددة تمتص أي انخفاض محتمل في التكلفة، وتحوله إلى أرباح إضافية في جيوب المضاربين، مما يجعل اللحوم الحمراء تصل إلى المواطن مثقلة بهوامش ربح "غير أخلاقية" تضيع معها جهود الدولة لتأمين القوت اليومي للمغاربة بأسعار معقولة، ويحول الوفرة المعلنة إلى وسيلة للاغتناء السريع على حساب جيوب البسطاء.

​وعلى الرغم من المبررات التقنية التي يسوقها المهنيون، والمتعلقة أساساً باستمرار غلاء الأعلاف وتداعيات الجفاف التي أنهكت "الكسابة"، إلا أن هذه الحجج لم تعد تقنع الشارع المغربي الذي يتساءل عن جدوى التحفيزات الضريبية والجمركية الممنوحة للمستوردين. فالأثر الملموس لهذه الإعفاءات لا يزال غائباً عن محلات الجزارة بالتقسيط، وهو ما يضع الأجهزة الرقابية أمام مسؤولية لضبط "العدالة السعرية" وقطع الطريق على كبار الموزعين الذين يستثمرون في الأزمات، لضمان ألا يظل اللحم "مادة لمن استطاع إليها سبيلاً".