نظم الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في نهاية الأسبوع الماضي، الملتقى الوطني للنساء الاتحاديات تحت شعار: مع النسا يكون التغيير والربح والتيسير"، والذي شكل تظاهرة نسائية وطنية، أطل من خلالها، حزبنا مجددا، عبر مكونه النسائي، وهن اللواتي كن منذ لحظات التأسيس الأولى، يشكلن قوة اقتراحية حقيقية تسائل عمق الاختيارات، لنعيد طرح سؤال سكننا دائما، من زاوية مغايرة: كيف يمكن توسيع دائرة التمثيلية النسائية بما يخدم المشروع الديمقراطي الحداثي؟ لنتمكن اليوم من الإجابة عنه، من خلال هذا الحضور النسائي المتجدد بمناضلات اتحاديات متواجدات في عمق المجتمع، الفاعلات من داخل بواباته المتعددة، كل من موقعها، السياسي والنقابي والتمثيلي، ما يعكس التزاما حيا ببنية التفكير السياسي الاتحادي، وإيمانا راسخا بقضايا النساء وضرورة تمكينهن اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.
لقد جاء الملتقى الوطني للنساء الاتحاديات المنعقد ببوزنيقة (17_ 18 أبريل 2026) ليؤكد على تجاوز منطق “التمثيل العددي” إلى الانتصار لمنطق “التمكين السياسي”. فالنقاش الذي دار داخل جلسات وورشات هذا اللقاء، كان وفيا لروح الفكرة الاتحادية التي لم تعتبر النساء يوما ديكورا على الرف، أو أن النقاش حول قضاياهن ترفا فكريا، لكن النقاش الذي طرح، أجاب عن اشكالية مفادها؛ “أي موقع” ستشغله النساء، و”أي دور” ستضطلع به داخل هندسة القرار الحزبي والمؤسساتي التمثيلي، وكيفية تجاوز مأزق اعتبار النساء واجهة للتأنيث أو التأتيت وفقط. كما أن طبيعة هذا النقاش هي نتاج تراكم تجربة نضالية طويلة داخل الحزب، جعلت من مطلب المساواة مطلبا مؤسسا وليس مطلبا نرفعه في كل محطة كما يفعل البعض لدغدغة المشاعر النسائية واستغلالهن انتخابيا، وأن حضور النساء ظل في أدبياتنا ضرورة سياسية لا غنى عنها في أي مشروع تحديثي ديمقراطي.
ذلك أن حزبنا، وهو يستحضر تاريخه النضالي العريق في الدفاع عن قضايا المرأة، يجد في هذه اللحظة فرصة لتعزيز وفائه لخطابه الحداثي التقدمي، عبر تطوير آلياته التنظيمية بما ينسجم مع هذا الطموح. فالاتحاد الاشتراكي، الذي كان دائما في طليعة القوى الحية المدافعة عن الحقوق والحريات، يعي جيدا أن تجديد خطابه يمر حتما عبر تجديد النقاش في كل مرحلة، وخاصة في ما يتعلق بفتح المجال أمام الطاقات النسائية الصاعدة داخل الحزب، وهي مناسبة للانفتاح على الكفاءات القادرة على خدمة الصالح العام وتجسيد قيم الحزب في الممارسة اليومية قبل تولي المسؤولية، وأن هذا التصور الملتزم داخل الحزب يشكل أحد عناصر قوته الرمزية، ويمنحه تميزا داخل المشهد السياسي الوطني.
لقد أكد هذا الملتقى، من خلال مداخلات الإخوة والأخوات القيمة وتساؤلات المناضلات الحاضرات الحارقة، حول تمكين النساء باعتباره أطروحة أساسية في مشروع الحزب المجتمعي، تجد ترجمتها في الدينامية التنظيمية التي يشهدها حزبنا، كما أن هذا الالتزام يعكس وعيا عميقا بأن تحقيق التنمية الشاملة يمر عبر تعبئة كل الطاقات المجتمعية، وفي مقدمتها النساء، اللواتي أثبتن قدرتهن على الإسهام الفعال في مختلف مجالات الحياة العامة.
إن الرهان الذي طرحته النساء الاتحاديات كان واضحا: ضرورة تمكين النساء المغربيات ومحاربة كل أشكال الهشاشة التي يعانين منها، وفي مقدمتها الهشاشة الاقتصادية، والمعيقات السوسيوثقافية التي تفرمل مسار التنمية الشاملة في بلدنا، وأنه لا تمكين بدون استقلالية مادية للنساء، وبدون تغيير للعقليات الأبيسية. آنذاك يمكن أن نتحدث عن إحقاق التمكين الحقيقي الذي يمر عبر المشاركة الفعلية في مراكز القرار. وفي هذا السياق، يبرز الاتحاد الاشتراكي كحزب اشتراكي ديموقراطي مؤمن بالمساواة الفعلية بين الجنسين، يسعى إلى ترجمتها بشكل مستمر، من خلال تعزيز معايير الشفافية وتكافؤ الفرص في إسناد المسؤوليات. فالحزب، من خلال مؤسساته، يعمل على ترسيخ ثقافة تنظيمية تقوم على مبدأ التداول والتجديد، وهو ما يفتح المجال أمام بروز قيادات نسائية قادرة على الإسهام في تطوير الأداء الحزبي والرفع من جاذبيته لدى فئات واسعة من المجتمع، واستحضار شرط الاستحقاق والكفاءة والتواجد، وهو ما يفتح المجال أمام النساء لولوج مواقع متقدمة داخل هياكله.
إن أهمية ملتقى بوزنيقة تكمن في كونه انخرط في ورشات عملية لتأهيل النساء انتخابيا، من خلال التكوين في تقنيات الحملات والترافع السياسي والتمكين القانوني والاقتصادي، وهو ما يعكس وعيا بأن معركة التمكين تتطلب أدوات معرفية ومهارات عملية، كما أن هذه المبادرات التكوينية تساهم في بناء جيل جديد من القيادات النسائية القادرة على التفاعل مع التحولات السياسية والاجتماعية، وعلى خوض غمار المنافسة الانتخابية بثقة وكفاءة ودربة ودراية.
وإذا كانت بعض التحديات تطرح نفسها في سياق العمل الحزبي عموما، فإن الاتحاد الاشتراكي يتعامل معها بروح إصلاحية متجددة، تسعى إلى تطوير الأداء وتعزيز المصداقية. فالتحديات، بدل أن تشكل عائقا، تتحول داخل الحزب إلى لحظة جماعية للتفكير بصوت عال في آليات الاشتغال وتجويدها، بما ينسجم مع تطلعات المجتمع المغربي إلى مزيد من الديمقراطية والعدالة الاجتماعية. فالمسار الذي يراكمه الحزب في مجال دعم النساء يعكس ديمومة التزام مستمر، وهو ما يمنحه مصداقية مضافة في هذا المجال.
ومن هنا، فالحزب، وهو يفتح نقاشا داخليا مسؤولا حول آليات التمكين والمساهمة في صناعة القرار، بحضور أكثر من 1300 اتحادية قادمة من مختلف مدن ومداشر وجبال المملكة، فهو يؤكد رغبته في ترسيخ نموذج ديمقراطي داخلي يمكن أن يشكل قدوة في المشهد الحزبي الوطني، خاصة في ما يتعلق بتمكين النساء من مواقع القيادة، فتمكين النساء لا يقتصر على الحضور العددي أو الموسمي كما نراه في ممارسات البعض، لكنه يمتد ليشمل المشاركة الفعلية في صياغة السياسات وصناعة القرار.
إن ما طرحه ملتقى النساء الاتحاديات ببوزنيقة هو، في جوهره، دعوة جماعية إلى تطوير الممارسة السياسية نحو مزيد من النجاعة والإنصاف، عبر الانتقال من تمثيلية تكاد تكون شكلية أو غير مؤثرة إلى مشاركة حقيقية وفعلية في صنع القرار بالمؤسسات المنتخبة، وهذا ما يعزز موقع الاتحاد الاشتراكي كحزب قادر على مواكبة التحولات المجتمعية وانتظارات النساء من السياسة، كما أن هذا التوجه ينسجم مع التحولات العالمية التي باتت تجعل من المساواة بين الجنسين معيارا أساسيا لقياس تقدم الديمقراطيات وحداثة المجتمعات.
لا يتعلق الأمر، كخلاصة أخيرة، فقط بدعم النساء وتعزيز القدرات للتوجه إلى الانتخابات، لكنه يتعلق بترسيخ رؤية متكاملة لإعادة بناء الثقة في السياسة، لأن إشراك المرأة في القرار هو في العمق إشراك للمجتمع بكل مكوناته في صناعة مستقبله. ومن هذا المنطلق، يواصل الاتحاد الاشتراكي مساره بثبات، مستندا إلى تاريخه النضالي ورصيده الرمزي، ومنفتحا في الآن ذاته على آفاق جديدة للتجديد، تجعل من المرأة شريكا أساسيا في صياغة مغرب الغد، مغرب الديمقراطية والعدالة والمساواة الكاملة بين الجنسين.






