فن وإعلام

ثورة القراءة المغربية: إحصائيات التحدي وآفاق معرض الرباط 2026

منير لكماني

يشهد مشهد القراءة في المغرب مفارقة واضحة: فمن جهة، تكشف المؤشرات الإحصائية عن ضعف في معدلات القراءة، ومن جهة أخرى، تعرف معارض الكتاب إقبالا جماهيريا متزايدا. وتمنح هذه المفارقة لمعرض الرباط الدولي للكتاب 2026 أهمية خاصة، بإعتباره مناسبة لقراءة الواقع الثقافي المغربي في أبعاده الإجتماعية والتربوية والإقتصادية، بالإستناد إلى معطيات دقيقة ومصادر موثوقة. فالأرقام ترصد تراجعا في القراءة المنتظمة، لكن الحضور الكثيف في معارض الكتاب يدل في المقابل على أن الصلة بالكتاب ما تزال قائمة، وإن كانت تحتاج إلى بيئة أكثر دعما وإتساعا .


معدلات القراءة بين الضعف البنيوي والطموح الإصلاحي


تظهر المعطيات الحديثة أن المغرب لا يزال يحتل موقعا متأخرا في مؤشرات القراءة العالمية. فقد وضعه مؤشر مجلة CEOWORLD لعام 2024 في المرتبة 92 من أصل 102 دولة، بمتوسط 67 ساعة قراءة سنويا للفرد، أي ما يعادل نحو 2.97 كتابا فقط في السنة. ويبدو هذا الرقم متدنيا جدا إذا قورن بدول مثل الولايات المتحدة أو الهند، حيث تتجاوز ساعات القراءة السنوية 350 ساعة للفرد. كما تشير معطيات رسمية إلى أن متوسط الإنفاق الفردي السنوي على الكتب لا يتجاوز 35 درهما، وهو مبلغ يكشف محدودية الإستثمار الشخصي في المعرفة المقروءة.


وتعزز مؤشرات أخرى هذا المنحى؛ إذ أظهر مؤشر القراءة العربي سنة 2016 أن المغربي يخصص 57 ساعة سنويا للقراءة، أي ما يقارب 9 دقائق يوميا، بينما تحدثت تقارير برلمانية حديثة عن تراجع هذا المعدل إلى أقل من دقيقتين يوميا. ويعزى ذلك أساسا إلى ضعف التنشئة القرائية داخل المدرسة والأسرة، وإلى غياب سياسات فعالة لترسيخ عادة القراءة بوصفها ممارسة يومية. كما أن نتائج المغرب في إختبارات PISA وPIRLS، حيث سجل التلاميذ 339 نقطة في القراءة بتراجع عن دورة 2018، تؤكد الحاجة إلى إصلاح تربوي عميق يعيد للقراءة مكانتها المركزية في التعلم.


فوارق عمرية وجغرافية وجندرية في المشهد القرائي


يكشف توزيع القراء في المغرب عن تفاوتات واضحة ترتبط بالعمر والجنس والمجال الجغرافي. فمعدل القراءة والكتابة لدى الشباب بين 15 و24 سنة بلغ 93.5% سنة 2017، بزيادة ملحوظة مقارنة بعام 2012، ما يدل على تحسن نسبي في الولوج إلى التعليم. غير أن هذا التحسن لا يلغي إستمرار الفجوات بين الذكور والإناث، إذ يسجل الشباب الذكور معدلات أعلى من الإناث، كما تستمر الفجوة بين المجالين الحضري والقروي، حيث تصل نسبة الإلمام بالقراءة والكتابة في المدن إلى 88.1% مقابل 78.8% في القرى.


وتبرز أهمية هذه الأرقام بالنظر إلى البنية العمرية للمغرب، إذ تشكل الفئات الشابة نسبة كبيرة من السكان؛ فالأطفال دون 14 سنة يمثلون 26% من السكان، فيما تبلغ نسبة الشباب بين 15 و24 سنة أكثر من 17%. ويعني ذلك أن المغرب يمتلك قاعدة بشرية واسعة يمكن أن تتحول إلى قوة قرائية وثقافية كبيرة إذا تم توجيه السياسات العمومية نحو هذه الفئات. وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال البعد الديني في الثقافة القرائية المغربية، حيث يتصدر المغرب عالميا بعدد كبير من حفظة القرآن، مع إنتشار واسع لكتاتيب التحفيظ، ما يشير إلى وجود قاعدة فعلية للقراءة يمكن البناء عليها لتوسيع القراءة نحو مجالات معرفية وأدبية وعلمية أخرى.


معارض الكتاب: المؤشر الثقافي الأكثر إشراقا


إذا كانت الإحصائيات العامة تثير القلق، فإن أرقام معارض الكتاب تمنح صورة أكثر تفاؤلا. فقد سجلت الدورة الثلاثون من معرض الرباط الدولي للكتاب سنة 2025 حضور 403 آلاف زائر، بزيادة 26% عن الدورة السابقة، مع مشاركة 775 عارضاً من 51 دولة، وعرض 120 ألف عنوان وما يقارب 3 ملايين نسخة. كما شهدت دورة 2023 حضور 202 ألف زائر وبيع 1.5 مليون كتاب، فيما استقطبت دورة الدار البيضاء سنة 2018 نحو 520 ألف زائر.


وتؤكد هذه الأرقام أن معارض الكتاب صارت فضاء مركزياً لتحفيز القراءة وتوسيع قاعدة الجمهور الثقافي. ويزداد هذا المعطى أهمية مع إختيار الرباط عاصمة عالمية للكتاب لسنة 2026 من طرف اليونسكو، وهو ما يمنح الدورة الحادية والثلاثين، المنظمة من 30 أبريل إلى 10 ماي، بعدا دوليا أكبر، خصوصاً مع مشاركة 890 عارضا من 60 دولة، وتقديم 130 ألف عنوان، وإختيار فرنسا ضيف شرف. كما أن نمو النشر الوطني بنسبة 6.98% خلال 2023-2024، مع صدور 3725 عنوانا غالبيتها بالعربية، يعكس حيوية نسبية في قطاع يحتاج إلى مزيد من الدعم.


تحديات المرحلة وآفاق التحول


رغم هذه الدينامية، ما يزال قطاع القراءة والنشر في المغرب يواجه تحديات كبيرة، منها محدودية عدد العناوين المنشورة سنويا، وضعف شبكة المكتبات العمومية، وإرتفاع أسعار الكتب، وهيمنة الوسائط الرقمية التي قلصت الزمن المخصص للقراءة لدى الشباب. كما أن تهميش المكتبات المدرسية وغياب التحفيز المبكر على المطالعة يفاقمان الأزمة.


في المقابل، تراهن الدولة ضمن خريطة الطريق 2022-2026 على رفع نسب التحكم في القراءة إلى 82%، عبر برامج تشمل الأركان القرائية، والمشاريع الوطنية للقراءة، والشبكات الثقافية المتنقلة، والإستثمار في الرقمنة. ومن شأن معرض الرباط 2026 أن يشكل محطة مفصلية لتحويل هذه الرهانات إلى واقع، إذا ما تم استثمار الزخم الجماهيري في بناء سياسة قراءة مستدامة تجعل من الكتاب جزءا من الحياة اليومية للمغاربة.