غير أن الظرفية التي تأتي فيها هذه الحصيلة، تُثقلها مؤشرات مقلقة؛ فأسعار المحروقات تواصل ارتفاعها بشكل صاروخي في السوق الوطنية، وما يرافق ذلك من غلاء غير مسبوق في مختلف المواد الغذائية. وقد تجاوزت أسعار اللحوم الحمراء سقف المائة درهم لدى المنبع، بينما تظل في مستويات أعلى بكثير من قدرة ملايين المغاربة، لتتحول إلى مادة شبه بعيدة المنال، فيما تبقى أزمة أضحية العيد عنواناً صارخاً لاختلال عميق، ما يزال يُربك حسابات الأسر ويؤرقها وتحول مجرد التفكير في العيد الى ماساة كبيرة .
وفي موازاة ذلك، تتواصل حملات الهدم وإعادة الهيكلة في عدد من الأحياء عبر مدن المملكة، وفي حالات دون حلول عاجلة أو بدائل منصفة وواضحة، مما يوسع دائرة القلق الاجتماعي، ويعمق الإحساس بالهشاشة لدى فئات واسعة من المغاربة وقد راينا دموع النساء والرجال مطتللبين بحلول لوضع معقد من بداياته وبمتدخاين كثر .
نحن إذن أمام أزمة مركبة، تتداخل فيها الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية، في وقت تبدو فيه الأغلبية الحكومية وكأن كل مكوناتها يغني على ليلاه، وقد أعلنت، بشكل مبكر، حالة نفير انتخابي، دون أن تستوعب تماماً ما جرى خلال ولايتها من نكث للعهود والوعود. حتى إن ورش التشغيل وتكوين مناصب الشغل، الذي قُدّم كأولوية، تحول إلى مجرد ذكرى، تُستحضر كدليل على وعود اصطدمت بواقع مغاير.
وإذا كان لا بد من تسجيل ما يُحسب لهذه الحكومة، وبمنسوب عالٍ من الصراحة، فهو تفشي تضارب المصالح في تدبير مليارات الدراهم، وتحويل الدعم إلى آلية لاستنزاف المال العمومي بدل توجيهه إلى مستحقيه. ففي عدة قطاعات، جاءت النتائج معاكسة تماماً للأهداف المعلنة، إذ لم يستفد سوى نفس الفاعلين: المضاربون و”الشناقة”، الذين انتفخت جيوب بعضهم بشكل لافت، بينما ظلت الأسعار، وعلى رأسها اللحوم، ترفرف في أعلى سلم الغلاء، دون أي أثر ملموس على القدرة الشرائية للمواطنين.
وفي التعليم والصحة، لا تبدو الصورة أفضل حالاً، حيث يستمر الإحساس العام بضعف الأثر الفعلي للإصلاحات، مقابل ضغط متزايد على الخدمات الأساسية، بما يعكس فجوة واضحة بين الخطاب والواقع.
ولم يحمل خطاب رئيس الحكومة، ولا حصيلته، ما يمكن أن يشكل دعماً حقيقياً لصناديق الاقتراع المقبلة. بل إن الرهان الانتخابي نفسه، الذي يُفترض أن يُبنى على الثقة، يبدو أنه فقد بريقه، في ظل تآكل المصداقية واتساع هوة الانتظارات.
ولأن السياسة لا تخلو من مخارج، ولأنها في جوهرها فن إيجاد الحلول، كان المنتظر أن تتحلى الحكومة بقدر من التواضع السياسي، وأن تتقدم—على الأقل—باعتذار صريح للمغاربة عن عجزها في تنزيل عدد من المشاريع الكبرى، وعن إخفاقها في مواكبتها بما يليق بحجم التحديات، أو في رسم صورة تليق بالبلد.
أما الخيار الآخر، وهو تقديم الاستقالة—ولو بعد أسابيع قليلة من الاستحقاقات المقبلة—فلا ينبغي أن يُفهم فقط كخطوة إجرائية، بل كفعل سياسي وأخلاقي يعيد الاعتبار لفكرة ربط المسؤولية بالمحاسبة. فالاستقالة، في لحظات التعثر الكبرى، ليست هروباً، بل اعتراف صريح بحدود الفعل الحكومي، وإقرار بأن كلفة الاستمرار قد تصبح أثقل من كلفة المغادرة.
لقد تجاهلت الحصيلة، بشكل لافت، مساءلة الذات الحكومية حول أسباب التعثر، واكتفت بسرد أرقام ومعطيات لا تعكس بالضرورة نبض الواقع. كما غاب عنها الوضوح في تحديد المسؤوليات، وتقديم أجوبة مقنعة حول مآل الوعود الكبرى التي رُفعت في بداية الولاية، خصوصاً تلك المرتبطة بالقدرة الشرائية، ومحاربة الاحتكار، وضمان عدالة اجتماعية حقيقية.
وكان من الممكن—لو توفر الحد الأدنى من الجرأة السياسية—أن تتحول هذه اللحظة إلى فرصة للمصارحة مع المواطنين، عبر الاعتراف بالإخفاقات، وتقديم تقييم شفاف لما تحقق وما لم يتحقق، بدل الاكتفاء بخطاب تبريري لا يلامس عمق الأزمة.
إن الاعتذار، في هذا السياق، ليس ضعفاً، بل قوة أخلاقية تعكس احترام الذكاء الجماعي للمغاربة، وتؤسس لثقة جديدة قوامها الصدق والوضوح. أما الاستقالة، فهي أقصى تعبير عن هذه المسؤولية، حين تعجز السياسات عن تحقيق أثرها، وحين تتسع الفجوة بين الوعود والنتائج.
وبين هذا وذاك، يبقى السؤال معلقاً: هل تملك الحكومة ما يكفي من الشجاعة السياسية لتختار أحد الطريقين، أم أن الاستمرار بنفس المنطق سيظل الخيار الأسهل، ولو على حساب ثقة المواطنين؟






