رأي

خديجة الكور: بين المنفعة العامة والعدالة الاجتماعية... من يحمي المتضررين من نزع الملكية؟

بينما يواصل المغرب التحضير لاستحقاقات كبرى من قبيل كأس العالم 2030، تتسارع وتيرة الأوراش والبنيات التحتية ومشاريع إعادة التهيئة الحضرية. غير أن هذا التسارع لا يطرح فقط أسئلة مرتبطة بالتنمية والنجاعة، بل يفتح أيضاً نقاشاً حساساً حول كلفة هذه المشاريع على المستوى الاجتماعي، وخاصة عندما يتعلق الأمر بنزع الملكية لأجل المنفعة العامة.


ففي ظاهر الأمر، يبدو نزع الملكية أداة قانونية مشروعة تتيح للدولة تنفيذ مشاريع تعتبرها ضرورية للمصلحة العامة. لكن في العمق، تكشف الممارسة عن توتر متزايد بين منطق الدولة التي تبحث عن السرعة والفعالية، ومنطق المواطنين الذين يطالبون بالإنصاف والضمانات واحترام الكرامة الاجتماعية.


القانون المنظم لهذا المجال هو القانون رقم 7.81 الصادر سنة 1982، والذي ينص على أنه لا يجوز حرمان أي شخص من ملكه إلا بسبب المنفعة العامة ومع تعويض مسبق. غير أن هذا النص، وبعد أكثر من أربعة عقود، بات يثير كثيراً من التساؤلات. فالمسطرة، وإن بدت متماسكة من الناحية الشكلية، تظل في التطبيق محاطة بإشكالات عديدة، من أبرزها بطء الإجراءات، وغموض طرق التقييم، وشعور عدد من المتضررين بأن الإدارة تحظى بهامش واسع من السلطة على حساب حقوق الأفراد.


وتبدأ مسطرة نزع الملكية بإعلان المنفعة العامة، ثم تحديد العقارات المعنية، فإحالة الملف على القضاء الإداري، قبل تحديد التعويض ونقل الملكية. غير أن ما يثير الجدل هو أن المواطنين كثيراً ما يشعرون بأن المسار يُفرض عليهم أكثر مما يُشرح لهم، وأن القرار يكون قد حُسم عملياً قبل أن تُستنفد ضمانات الطعن والاعتراض. وهنا يبرز السؤال الأساسي: هل ما يزال القانون يضمن التوازن بين ضرورات المشروع وحقوق الأفراد، أم أن منطق الإنجاز السريع أصبح هو المتحكم الأول؟


الواقع الاجتماعي يكشف أن الفئات المتضررة لا تتأثر جميعها بالدرجة نفسها. فالمالكون يجدون أنفسهم في مواجهة تعويضات يعتبرونها في حالات كثيرة غير منصفة، خاصة في ظل ارتفاع أسعار العقار وصعوبة اقتناء بديل مماثل. أما المكتَرون، فهم غالباً الحلقة الأضعف، لأن المنظومة القانونية لا توفر لهم حماية حقيقية تتناسب مع حجم الضرر الذي قد يلحقهم. وفي ما يتعلق بالأسر الهشة، فإن وضعها يكون أكثر تعقيداً، لأنها قد تفقد السكن والاستقرار الاجتماعي معاً، من دون وجود سياسة واضحة ومستمرة لإعادة الإيواء.


وقد زاد انتشار مقاطع الهدم وشهادات المتضررين على مواقع التواصل الاجتماعي من حدة هذا النقاش خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً في الرباط والدار البيضاء. فهذه المنصات لم تعد مجرد فضاء للتعبير، بل تحولت إلى مرآة تكشف جانباً من شعور متنامٍ بالظلم العقاري، ومن الخوف من أن تتحول مشاريع التحديث إلى مصدر قلق اجتماعي بدل أن تكون أداة لتحسين جودة الحياة.


وفي هذا السياق، جاء الحديث عن إصلاح مرتقب للقانون الحالي من أجل مواكبة التحولات التي تعرفها المملكة. ويهدف هذا التوجه إلى تقليص آجال المساطر، وتوحيد مرجعيات التقييم، وإرساء أدوات تقنية وإدارية جديدة لتفادي النزاعات. غير أن الإشكال لا يتعلق فقط بسرعة المسطرة، بل بطبيعة الفلسفة التي تحكمها. فإذا كان الإصلاح سيؤدي إلى تسريع نزع الملكية من دون تعزيز الضمانات الاجتماعية والقانونية للفئات المتضررة، فإن الخلل سيظل قائماً، بل قد يصبح أكثر حدة.


ومن بين أبرز مكامن الضعف في النموذج المغربي محدودية حلول إعادة الإيواء، خاصة بالنسبة للمكتَرِين والأسر ذات الدخل المحدود. فالمغرب لا يتوفر بعد على رصيد كافٍ ومنظم من السكن الاجتماعي المخصص للكراء، يمكن أن يُعتمد عليه في حالات الإفراغ المرتبط بالمشاريع الكبرى. وهذا النقص يجعل كثيراً من الأسر تواجه المجهول، خصوصاً في المدن التي تعرف ضغطاً عقارياً مرتفعاً. وفي المقابل، تظهر تجارب بعض الدول المجاورة أن من الممكن التوفيق بين المنفعة العامة واستمرارية العيش الكريم للسكان، إذا توفرت إرادة مؤسساتية واضحة وآليات قانونية أكثر توازناً.


إن التنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بعدد الطرق والمنشآت والملاعب التي يتم إنجازها، بل أيضاً بقدرة الدولة على حماية مواطنيها خلال مسار هذا الإنجاز. فالمشروع العمومي، مهما كانت أهميته، لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتهميش الأفراد أو إضعاف ثقتهم في القانون والمؤسسات.


لهذا، فإن الرهان اليوم لا يكمن فقط في تحديث الإطار القانوني لنزع الملكية، بل في إعادة بناء التوازن بين الدولة والمواطن داخل هذا الملف الحساس. فالتنمية لا تكون عادلة إلا إذا كانت مصحوبة بالشفافية، والإنصاف، وضمان الحق في السكن والاستقرار والكرامة. والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل يريد المغرب أوراشاً كبرى فقط، أم يريد أيضاً عدالة عمرانية واجتماعية تواكب هذه الأوراش وتحمي الإنسان في قلبها؟