ليس أخطر على العدالة من أن يُرفع شعار “تنظيم المهن” بينما تُزرع في طريقه ألغام الانتقاء غير العادل. فالسؤال هنا لا يتعلق فقط بقانون ينظم مهنة المحاماة، بل بطبيعة الفلسفة التي تحكم هذا التنظيم: هل نحن أمام تقنين يهدف إلى تجويد المهنة، أم أمام آلية ناعمة لإعادة إنتاج الامتيازات وإغلاق الأبواب في وجه فئات واسعة؟
اشتراط شهادة الماستر، في سياق يعرف اختلالات عميقة في منظومة التعليم العالي، لا يبدو بريئاً تماماً. فحين تتحول الشهادة من معيار للمعرفة إلى سلعة قابلة للتداول في سوق مظلم، فإن القانون .. من حيث لا يدري أو يدري، يُكافئ من يملك وسائل الالتفاف، ويُقصي من لا يملك سوى الكفاءة. هنا لا يعود الماستر دليلاً على الاستحقاق، بل يصبح أحياناً مجرد ورقة تُشترى أو تُفصل على المقاس.
أما تحديد سن 21 سنة، فيبدو ظاهرياً شرطاً تقنياً، لكنه يخفي مفارقة أخرى: كيف نطالب شاباً في هذا العمر باستكمال مسار جامعي طويل ومعقد، ثم نضع أمامه شرطاً زمنياً قد لا ينسجم مع واقع التكوين نفسه؟ أليس في ذلك نوع من الانفصام بين النص القانوني والواقع الاجتماعي والتعليمي؟ الأخطر من كل ذلك، هو أن مثل هذه الشروط قد تُغذي ..بشكل غير مباشر.. ظاهرة الشواهد المزورة، لأنها ترفع من “قيمة” الشهادة كشكل، لا كمضمون. فحين يُغلق الباب أمام الكفاءة الحقيقية، يُفتح تلقائياً أمام الحيل والالتفافات. القانون، في جوهره، يجب أن يكون أداة للعدالة لا وسيلة للانتقاء المقنع. وإذا كان الهدف فعلاً هو الارتقاء بمهنة المحاماة، فإن الطريق لا يمر عبر تضييق الولوج بشروط شكلية، بل عبر ضمان تكوين حقيقي، ومراقبة صارمة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وإلا، سنجد أنفسنا أمام مفارقة عبثية: قانون يُفترض أن يحمي المهنة، لكنه يساهم ..بشكل غير مباشر ..في إضعافها من الداخل.. لأن شهادة الماستر في سن 21 سنة يصعب الحصول عليها لأغلبية أبناء الشعب المغربي إلا إذا سلكوا طرق أخرى تشبه السوق السوداء مالبعض ممن يملكون هذه النماذج من شواهد الماستر.






