مجتمع وحوداث

أتاي الأحد.. الله يخرج سربيسك على خير

عبد الرفيع حمضي

حين التحقت بالخدمة المدنية بالمحكمة الابتدائية بوزان، في أواسط الثمانينيات، بعد مسار جامعي بظهر المهراز بفاس، كان صدى شعارات الاتحاد الوطني لطلبة المغرب لا يزال يسكنني، لا يقطعه إلا صوت المرحوم عبد الكريم دودوح وهو يشق حلقات النقاش الرفاقية ويسمع كلماته من به صمم .

لم تكن حماسة المرحلة قد فترت، ولا لذة الحلم قد تبخرت.

شاءت الصدف أن أتقاسم المكتب بقصر العدالة مع أقدم موظفة به، الشريفة لالة عائشة البقالي، وكانت يومها على مشارف التقاعد.

استقبلتني بابتسامة دافئة، وقالت لي ببساطة تختصر تجربة عمر:

“مرحبا بك… الله يخرج سربيسك على خير”.

لم أتوقف عند الجملة كثيرا. بدت، في حينها، كغيرها من عبارات الترحيب.

لكن مع مرور الأيام، بدأت تتكشف لي دلالتها. لم تكن مجاملة عابرة، بل كانت أقرب إلى وصية، أو خلاصة تجربة طويلة مع العمل والإدارة.

ذلك الدعاء، على بساطته، كان يحمل انطباعا مقلقا بعض الشيء:

كأنك لا تلج إلى وظيفة، بل إلى مسار محفوف بالمنعرجات؛

لا إلى فضاء لتحقيق الذات، كما تعلمنا في كتب القانون الإداري، بل إلى تجربة يُطلب منك فيها، قبل كل شيء، أن تمر بسلام.

هنا يطرح السؤال نفسه بهدوء:

لماذا يُختصر العمل في فكرة الخروج، لا في معنى الحضور داخله؟

في المجتمعات التي ترسخت فيها البيروقراطية الحديثة، في معناها الإيجابي القائم على الفعالية والنجاعة، لا في صورتها القدحية المختزلة في “سير حتى لغدا وارجع”، ينظر إلى الوظيفة العمومية باعتبارها مسارا واضحا، تحكمه قواعد وتؤطره مؤسسات، كما بين ماكس ويبر 

أما في السياق المغربي، فالإدارة ليست فقط جهازا تقنيا، بل امتداد لبنية أعمق، حيث تتداخل القواعد مع العلاقات، وتشتغل المؤسسات داخل توازنات غير مكتوبة.وهو ما يُختزل، في التداول اليومي، في مفهوم “المخزن”.

في مثل هذا السياق، لا يكون العمل مجرد ما ينجز، بل مسارا يُدار.

مسارا يحتاج إلى كفاءة، نعم، لكنه يحتاج أيضا إلى فهم دقيق لمسالكه، وإلى قدر من الحذر لا يقل أهمية عن الجهد.

وهنا، يصبح الدعاء مفهوما.

لا باعتباره تعبيرا عن خوف، بل باعتباره خلاصة خبرة جماعية، تعلم أن النجاح لا يقاس فقط بما يتحقق، بل أيضا بكيفية العبور داخل هذا المسار.

لكن، في المقابل، يظل سؤال آخر معلقا:

هل يكفي أن يمر المسار بسلام، حتى نقول إن العمل قد تحقق؟

في الفكر الحديث، لم يعد العمل مجرد وسيلة للعيش، بل أصبح أحد مداخل حضور الإنسان في العالم، ومن بناء معناه الشخصي.

لذلك، ربما لا نحتاج إلى إلغاء هذا الدعاء، فهو صادق ويحمل تعاطفا إنسانيا عميقا،

لكننا نحتاج، في المقابل، إلى أن نوسع أفقه:

أن نخرج بخير… وأن نمر بأثر.

أما “أبا أحمد” الرايس الذي أفنى عمره في سراديب الإدارة، فقد انتهى به المقام في بني هلال بدكالة ، يحكي لأهل الدوار، ما بين صلاتي العصر والمغرب، فتوحاته  وانجازاته قبل إخفاقاته.

وحين يلتف حوله تلاميذ القرية، وهو فوق حماره في طريقه إلى السوق الأسبوعي، كان يختم سرديته بصوت منكسر :

“الله يرضي عليكم… قراو مزيان باش توظفوا وديروا  السربيس ديالكم مع المخزن… وكونوا معقولين… وما تنساوش: راه ولد المخزن يتيم”.

ثم يمضي.

ويظل التلاميذ، لبرهة، يحاولون استيعاب ما قاله أبا أحمد،

قبل أن يقطع عليهم شرودهم، وهو يصيح بحماره:

“رول… ما عندو بگاج