مجتمع وحوداث

فقه المعاملة بين الناس في ميزان العقل الفلسفي ونور الوحي الإلهي

الصادق العثماني (باحث في الفكر الإسلامي وقضايا التطرف الديني)

في زحام الحياة اليومية، حيث تتشابك العلاقات وتتعدد أنماط التفاعل، يواجه الإنسان باستمرار مواقف صغيرة قد تبدو عابرة في ظاهرها، لكنها قادرة على استنزاف طاقته النفسية إذا لم يُحسن التعامل معها. وقد التفت آرثر شوبنهاور (1788–1860)، الفيلسوف الألماني البارز المعروف بـ“فيلسوف التشاؤم”، وصاحب كتاب «العالم إرادة وفكرة» الصادر سنة 1818م إلى هذه الحقيقة من زاوية فلسفية عميقة؛ إذ أسّس تصورًا ميتافيزيقيًا يرى الوجود كإرادة عمياء غير عقلانية تدفع الإنسان نحو معاناة دائمة، حتى شبّه الحياة ببندول يتأرجح بين الألم والملل. ومن هذا المنطلق، دعا إلى ضرورة التحصّن من “الاحتكاكات الصغيرة” التي تنشأ من مخالطة الناس، مثل سوء الفهم، أو قلة اللياقة، أو ثرثرة الآخرين، معتبرًا أن الحكمة تكمن في تجاهلها وعدم تحويلها إلى موضوع دائم للتفكير.

غير أن هذه الرؤية، على عمقها، تظل جزءًا من تصور أشمل نجده في الإسلام، الذي لم يكتفِ بتوجيه الإنسان إلى تجنب الأذى النفسي، بل أرشده إلى بناء علاقات إنسانية قائمة على التوازن بين حفظ الذات والإحسان إلى الغير.

ينطلق التصور الإسلامي من اعتبار الإنسان كائنًا اجتماعيًا بطبعه، لا يمكنه أن يعيش بمعزل عن الآخرين، بل إن وجوده نفسه مرتبط بالتعارف والتفاعل. يقول الله تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾.

فالعلاقة مع الآخر ليست مجرد ضرورة حياتية، بل هي مقصد إنساني يحقق به الإنسان ذاته. غير أن هذا التعارف لا يخلو من التوتر والاختلاف، وهنا تظهر الحاجة إلى منظومة أخلاقية تضبط هذا التفاعل وتحفظ توازنه.

في هذا السياق، يلتقي ما ذهب إليه آرثر شوبنهاور مع التوجيه القرآني، لكن بصيغة أكثر عمقًا واتزانًا. فالإسلام يدعو إلى الإعراض عن الجاهلين، كما في قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾،

وهذا الإعراض ليس تعبيرًا عن ضعف أو انسحاب، بل هو موقف أخلاقي واعٍ، يختار فيه الإنسان ألا ينجرّ إلى صراعات عبثية تستنزف روحه. كما يصف القرآن عباد الرحمن بأنهم: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾،

في إشارة إلى القدرة على امتصاص التوتر وتحويله إلى سلام داخلي وخارجي.

ويعزز هذا المعنى ما ورد في السنة النبوية، حيث يقول النبي ﷺ:

“ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب”، فيعيد تعريف القوة باعتبارها قدرة على التحكم في الانفعال، لا مجرد رد فعل على استفزاز الآخرين. وهنا تتجلى حكمة الإسلام في توجيه الإنسان إلى ضبط ذاته بدل الانشغال بتغيير سلوك الآخرين، وهو ما ينسجم مع دعوة آرثر شوبنهاور إلى عدم الانسياق وراء الانزعاجات اليومية، لكنه يتجاوزه بإضفاء بعد أخلاقي وروحي على هذا السلوك.

غير أن الإسلام لا يقف عند حدود “تجاهل الأذى”، بل يرتقي بالإنسان إلى مستوى أسمى، يتمثل في الإحسان إلى الآخر حتى في حال الإساءة. يقول الله تعالى:

﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾، وهو توجيه يدعو إلى تحويل المواقف السلبية إلى فرص لإصلاح العلاقات. فبدل أن يكون التجاهل وسيلة للهروب، يصبح الإحسان وسيلة للتغيير. ويؤكد النبي ﷺ هذا المعنى بقوله:

“المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده”، فيجعل كفّ الأذى أساس العلاقة، ثم يفتح الباب أمام الإحسان كدرجة أعلى من الكمال الأخلاقي.

وقد أدرك الفلاسفة المسلمون هذه الأبعاد العميقة للعلاقات الإنسانية، فربطوا بين تهذيب النفس وحسن المعاملة. يرى أبو حامد الغزالي أن الأخلاق ليست مجرد سلوك ظاهري، بل هي انعكاس لحالة داخلية، وأن من صفا قلبه سهل عليه العفو والتسامح، ويؤكد أن كظم الغيظ من أعظم الفضائل لأنه يعبر عن سيطرة الإنسان على نفسه في لحظات التوتر. أما ابن مسكويه، فيرى أن التوازن بين قوى النفس هو أساس الاستقامة في التعامل، وأن الغضب إذا لم يُضبط أفسد العلاقات، وإذا وُجّه بالعقل صار أداة لحفظ الكرامة دون تجاوز. ويذهب الفارابي إلى أن المجتمع الفاضل لا يقوم إلا على تعاون أفراده، وأن الأخلاق الفردية تنعكس مباشرة على استقرار الجماعة.

وفي الفلسفة الغربية، تتعدد المقاربات، لكن كثيرًا منها يلتقي مع هذه المعاني. فـأرسطو يرى أن الإنسان لا يحقق سعادته إلا في إطار علاقات قائمة على الفضيلة، وأن الاعتدال في الانفعالات هو الطريق إلى التوازن. بينما يؤكد إيمانويل كانط على ضرورة احترام الإنسان كغاية في ذاته، وهو ما ينسجم مع الرؤية الإسلامية التي تكرّم الإنسان وتدعو إلى حفظ كرامته. غير أن آرثر شوبنهاور، بخلافهما، يميل إلى الحذر من العلاقات، ويرى فيها مصدرًا للمعاناة، مما يدفعه إلى الدعوة لتقليل الاحتكاك، وهنا يظهر الفرق بين رؤية تميل إلى الانكفاء، وأخرى تسعى إلى الإصلاح والتوازن.

إن التأمل في هذه الرؤى المختلفة يكشف أن “فن العيش مع الناس” لا يقوم على مبدأ واحد، بل على منظومة من القيم المتكاملة؛ فليس كل ما يزعجنا يستحق أن نحمله في قلوبنا، وليس كل ما نراه خطأ يستدعي ردًا مباشرًا. إن جزءًا كبيرًا من معاناة الإنسان لا يأتي من الأحداث نفسها، بل من الطريقة التي يتفاعل بها معها.

ومن هنا، فإن الإسلام يوجه الإنسان إلى نوع من “الاقتصاد النفسي”، حيث لا يُهدر طاقته في متابعة التفاصيل الصغيرة، بل يركز على ما ينفعه. ويعبّر عن ذلك الحديث النبوي:

“من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”،

وهو مبدأ لو طُبق في الحياة اليومية لخفف كثيرًا من التوترات الناتجة عن التدخل في شؤون الآخرين أو تضخيم المواقف العابرة.

غير أن هذا لا يعني الانعزال أو الانسحاب من المجتمع، بل على العكس، يدعو الإسلام إلى المخالطة الإيجابية، كما في قول النبي ﷺ:

“المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم”.

فالحياة مع الناس ليست خيارًا يمكن تجنبه، بل قدرًا ينبغي التعامل معه بحكمة. والفرق بين إنسان ينهكه الاحتكاك، وآخر يتجاوزه بسلام، يكمن في طريقة إدراكه لهذه المواقف، وفي قدرته على التحكم في استجاباته.

إن التجاهل الذي دعا إليه آرثر شوبنهاور يمكن أن يكون أداة مفيدة إذا استُخدم باعتدال، لكنه يصبح سلبًا إذا تحول إلى انسحاب دائم. أما في الإسلام، فإن التجاهل ليس غاية، بل وسيلة لحفظ صفاء النفس، حتى تبقى قادرة على الإحسان والعمل الإيجابي. وهكذا، يتحول “فن العيش الحكيم” من مجرد تقنية نفسية إلى رؤية أخلاقية شاملة، توازن بين الداخل والخارج، بين الذات والآخر، بين الصبر والفعل.

وفي الختام، لا تُقاس قيمة الإنسان بما يواجه من مواقف يومية، فهذه سنة الحياة، بل تُقاس بقدرته على إدارة هذه المواقف دون أن يفقد توازنه أو إنسانيته. وبين حكمة الفلسفة ونور الوحي، نجد أن الطريق الأمثل ليس في الهروب من الناس، ولا في الانغماس في صراعاتهم، بل في العيش معهم بوعي، وتجاوز صغائر الأمور، والسعي إلى بناء علاقات تقوم على الاحترام والإحسان. وهنا يتحقق المعنى الحقيقي للعيش الحكيم: أن تكون حاضرًا في العالم، دون أن تسمح له بأن يعكر صفو روحك.