بشكل مفاجئ، سمحت الرقابة العسكرية الإسرائيلية اليوم بنشر وتداول صور وفيديوهات لآثار الدمار أو المواقع المستهدفة داخل العمق الإسرائيلي، وهو أمر كان يُعد سابقاً من المحرّمات الأمنية الصارمة.
هذا التحول الإعلامي-الأمني لا يأتي من باب الشفافية أو حرية الإعلام، بل هو تحول تكتيكي مدروس ضمن حرب الرواية. هذا التغيير في السلوك الرقابي يهدف بالدرجة الأولى إلى توظيف المشهد البصري لخدمة استراتيجية المظلومية الدولية، فمن خلال تصدير صور المنازل المحطمة والذعر بين المستوطنين، تسعى إسرائيل إلى استعادة صورة الضحية أمام المجتمع الدولي، ومحاولة موازنة المشاهد القادمة من غزة أو لبنان، التي تُظهر حجم القتل والدمار الذي تسببه آلتها العسكرية.
خلف هذا السماح المدروس يكمن هدف أكثر خطورة، وهو الشرعنة الاستباقية للتصعيد. إن عرض حجم الضرر الذي لحق بالجبهة الداخلية يُستخدم كوقود سياسي وقانوني لتبرير الضربات القادمة التي تنوي القيام بها، وتصويرها على أنها رد فعل دفاعي وضروري، مما يمنحها غطاءً دولياً أوسع للذهاب بعيداً في عملياتها العسكرية تحت ذريعة حماية مواطنيها. وبذلك، تصبح الصورة وسيلة لتطويع الرأي العام العالمي وامتصاص أي تنديد بجرائم الحرب المحتملة، عبر القول إن ما نفعله هو نتيجة حتمية لما ترونه في هذه الصور.
خلف هذا القرار، هناك أيضاً أهداف تعبوية موجهة للداخل والخارج في آن واحد، فالسماح بنشر هذه الصور يساهم في رصّ الصفوف الداخلية وتأجيج الشعور القومي بضرورة الانتقام، مما يقلل من الضغط الشعبي تجاه كلفة الحرب البشرية والاقتصادية. كما أنها رسالة ردع معكوسة، تهدف إلى إظهار أن إسرائيل، رغم تعرضها للضرب، تمتلك القدرة على احتواء الصدمة والتحرك بقوة أكبر، مع توظيف تلك المشاهد لجلب المزيد من الدعم العسكري والمالي السريع من الحلفاء الغربيين، عبر إظهار حاجتها الماسة إلى تعزيز الدفاعات والردع.






