مجتمع وحوداث

النيابة العامة تعزّز ولوج النساء وكبار السن والأطفال والأشخاص في وضعية إعاقة إلى العدالة

خديجة الكور (رئيسة منظمة النساء الحركيات)
في مجتمع يطمح إلى ترسيخ قيم العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية، يظل الولوج إلى القضاء أحد أبرز المؤشرات على مدى احترام الحقوق والحريات، غير أن هذا الولوج لا يزال، بالنسبة لعدد من الفئات الهشة، محفوفًا بصعوبات حقيقية ومعيقات متعددة، تجعل من العدالة في كثير من الأحيان حقًا نظريًا أكثر منه ممارسة فعلية متاحة للجميع.

فالنساء، على سبيل المثال، ما زلن يواجهن تحديات معقدة في مسار الوصول إلى القضاء، تتداخل فيها العوامل القانونية والاجتماعية والثقافية. فمن جهة، تعاني فئات واسعة منهن من محدودية الوعي بحقوقهن القانونية، ومن جهة أخرى، تصطدمن بتعقيد المساطر والإجراءات، وصعوبة الحصول على المعلومة القانونية المبسطة، فضلًا عن استمرار بعض التمثلات الاجتماعية والممارسات التمييزية التي تضعف قدرتهن على الدفاع عن حقوقهن، لا سيما في قضايا العنف الأسري، والنزاعات المرتبطة بالزواج، والنفقة، والحضانة.

أما الأطفال، فإن خصوصية وضعهم القانوني والإنساني تجعلهم من أكثر الفئات حاجة إلى عدالة تراعي سنهم وهشاشتهم واحتياجاتهم النفسية والاجتماعية. فالطفل لا يُنظر إليه في كثير من الأحيان باعتباره صاحب حق مستقل، وهو ما ينعكس سلبًا على فهمه للمساطر، وعلى قدرته على التفاعل مع الإجراءات القضائية، كما أن محدودية التخصص في مواكبة قضاياه، وضعف الإحاطة القانونية والاجتماعية الملائمة له، يجعلان حمايته من الانتهاكات رهينة بمدى فعالية المؤسسات وتنسيقها.

وبالنسبة للأشخاص في وضعية إعاقة، فإن التحديات لا تقل عمقًا، بل تتخذ أحيانًا طابعًا بنيويًا واضحًا، سواء تعلق الأمر بغياب الولوجيات والمرافق الملائمة داخل عدد من الفضاءات القضائية، أو بنقص الوثائق الميسّرة ووسائل التواصل المناسبة، أو بضعف الدعم القانوني والتقني المخصص لهم. ويزداد هذا الوضع صعوبة حين تتداخل هذه العراقيل مع نظرات مجتمعية غير منصفة، تعمّق الإقصاء وتحدّ من قدرتهم على تتبع ملفاتهم والدفاع عن حقوقهم بفعالية واستقلالية.

كما أن كبار السن يواجهون بدورهم جملة من الصعوبات المرتبطة بطبيعة المرحلة العمرية وما تفرضه من احتياجات خاصة، سواء من حيث الولوج إلى المعلومة القانونية، أو فهم الإجراءات القضائية المعقدة، أو القدرة الجسدية والمادية على التنقل ومتابعة الملفات، فضلًا عن الفجوة الرقمية التي قد تحرم عددًا منهم من الاستفادة من الخدمات القضائية الحديثة، وتزيد من شعورهم بالعزلة القانونية والمؤسساتية.

وانطلاقًا من الوعي العميق بحجم هذه التحديات، ووفاءً لمقتضيات الدستور المغربي، وانسجامًا مع الالتزامات الدولية للمملكة في مجال حماية حقوق الإنسان، أصدرت رئاسة النيابة العامة بتاريخ 13 مارس 2026 دورية موجّهة إلى مختلف الهيئات القضائية، تروم تعزيز ولوج النساء والأطفال وكبار السن والأشخاص في وضعية إعاقة إلى العدالة، بما يرسخ مقاربة أكثر إنصافًا ونجاعة وإنسانية داخل منظومة العدالة.

وقد تضمنت هذه الدورية جملة من التدابير العملية الهادفة إلى تبسيط المساطر القضائية، وتحسين ظروف الاستقبال داخل فضاءات العدالة بما يراعي خصوصية كل فئة، إلى جانب الاستعانة بالأخصائيين الاجتماعيين من أجل التقييم الدقيق للحالات، وتفعيل دور الخلايا واللجان المكلفة بالنساء والأطفال لضمان مواكبة قضائية واجتماعية متكاملة. كما شددت على ضرورة التنسيق بين مختلف المتدخلين، من مؤسسات عمومية وجمعيات ومنظمات المجتمع المدني، بما يضمن تكامل الجهود وتوحيدها في سبيل حماية الفئات الهشة، مع إرساء آليات للتبليغ عن مختلف العراقيل أو الإخلالات التي قد تعترض التنفيذ، واتخاذ التدابير التصحيحية اللازمة في حينها.

ولم تقف هذه الدورية عند الجانب التنظيمي أو الإداري فحسب، بل أكدت أيضًا على ضرورة صون كرامة المتقاضين، واحترام خصوصيتهم، وحماية معطياتهم الشخصية، وتوفير الدعم النفسي والقانوني كلما اقتضت الحاجة ذلك. وهو ما يعكس تصورًا متقدمًا للعدالة، لا باعتبارها مجرد مسار قانوني جامد، بل باعتبارها تجربة إنسانية ومؤسساتية متكاملة، قوامها الإنصات، والحماية، والمواكبة، وإزالة كل الحواجز التي قد تحول دون تمتع الأفراد بحقوقهم كاملة.

وبصفتي رئيسة منظمة النساء الحركيات، فإنني أعبّر عن بالغ تقديري لهذه المبادرة النوعية والرائدة، التي تجسد إرادة مؤسساتية واضحة في تمكين النساء والفئات الهشة من حقوقها، وتعزيز حمايتها من مختلف أشكال الانتهاك والإقصاء. إنها خطوة تعكس التزام الدولة والمجتمع معًا ببناء عدالة أكثر قربًا من المواطن، وأكثر قدرة على الإنصاف، وأكثر وفاءً للروح الحقيقية للدستور، بما يعزز الثقة في المؤسسات القضائية ويكرّس المساواة والإنصاف ليس فقط كشعارات، بل كممارسة يومية داخل منظومة العدالة.

إن تيسير ولوج النساء إلى العدالة لا يمكن اختزاله في كونه مجرد إجراء إداري أو التزام قانوني شكلي، بل هو ركيزة أساسية في بناء مجتمع ديمقراطي عادل، يؤمن بالمساواة الحقيقية بين النساء والرجال، ويجعل من حماية الحقوق أولوية لا تقبل التأجيل. فالمرأة التي تعترض سبيلها الحواجز الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية، لا تستطيع الدفاع عن كرامتها وحقوقها ما لم تجد أمامها مؤسسات منصفة، وآليات فعالة، ومساطر مبسطة، وإرادة حقيقية لإزالة كل العوائق التي تكبل حقها في الإنصاف.

ومن هذا المنطلق، فإن تسهيل الولوج إلى العدالة لا يعزز فقط المساواة أمام القانون، بل يرسخ أيضًا الإنصاف الاجتماعي، من خلال تمكين كل امرأة، وكل طفل، وكل شخص في وضعية إعاقة، وكل مسن، من فرصة فعلية لممارسة حقوقه والدفاع عنها. وهو بذلك يجسد جوهر دولة الحق والقانون، حيث لا تبقى النصوص حبرًا على ورق، بل تتحول إلى حماية واقعية وملموسة، يشعر بها المواطن في حياته اليومية، وتنعكس في ثقته في القضاء وفي الدولة وفي المجتمع.

إن المبادرات التي تجعل القضاء أكثر انفتاحًا وعدالة وشمولًا، تبعث برسالة قوية مفادها أن العدالة ليست امتيازًا لفئة دون أخرى، وليست رفاهية مؤسساتية، بل هي حق أصيل وأداة للتمكين والإنصاف والمساواة. والمجتمع الذي يحمي النساء، وينصف الأطفال، ويصون كرامة كبار السن، ويكفل للأشخاص في وضعية إعاقة حقهم الكامل في الولوج إلى القضاء، هو مجتمع يضع الأسس الصلبة لمستقبل أكثر عدلًا وتماسكًا وإنسانية.

إن هذه المبادرة تمثل خطوة استراتيجية بالغة الأهمية في مسار تعزيز العدالة الاجتماعية والمساواة الفعلية، وتؤكد بما لا يدع مجالًا للشك أن الولوج إلى القضاء ليس امتيازًا، بل حق مكفول لجميع المواطنات والمواطنين، وخاصة للفئات التي ظلت طويلًا تواجه أشكالًا متعددة من الهشاشة والإقصاء. كما أن حسن تنزيل هذه الدورية، والتتبع الدقيق والمستمر لتنفيذ مقتضياتها، من شأنه أن يساهم في إزالة العقبات البنيوية والاجتماعية، وخلق بيئة قانونية ومؤسساتية أكثر إنصافًا، تمكّن كل فرد من صون حقوقه والدفاع عن كرامته بحرية وأمان.

كما أن الاستمرارية في تطبيق هذه التعليمات، مقرونة بالتقييم الدوري لنتائجها وآثارها، تشكل ضمانة حقيقية لترسيخ قيم العدالة والمساواة داخل المجتمع، وتؤكد أن حقوق الإنسان، وحقوق النساء، وحقوق الأطفال، وحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، ليست قضايا هامشية أو ظرفية، بل هي في صميم المشروع المجتمعي والحقوقي الذي تنخرط فيه بلادنا بثبات ومسؤولية.

وهكذا، تتحقق العدالة في معناها الأسمى: لا كنصوص قانونية مجردة، بل كممارسة حية وواقعية، تجعل من القضاء فضاءً للحماية والإنصاف، وتؤكد أن كل فرد، مهما كان وضعه الاجتماعي أو الجسدي أو العمري، يملك الحق الكامل في الولوج إلى العدالة، وفي أن تُصان كرامته، وتُحمى حقوقه، ويُسمع صوته داخل دولة تؤمن فعلًا بأن العدالة أساس الملك، وأن الإنصاف هو جوهر المواطنة الحقة.