في كل محطة تكوينية مرتبطة بالمخيمات الصيفية يطفو إلى السطح سؤال قديم يتجدد باستمرار: من يحمل فعلا المشروع التربوي للمخيمات؟ ومن يكتفي برفع الشعارات والبحث عن الأرقام؟
وقد أثير هذا السؤال مجددا عقب الحديث عن ضعف الإقبال على تداريب الدرجة الثانية الخاصة بمدربي ومنشطي المخيمات، وهي المحطة التكوينية التي يفترض فيها أن تشكل لحظة متقدمة في بناء الكفاءات التربوية القادرة على تأطير الأطفال واليافعين داخل الفضاءات التخييمية.
غير أن التفسير الذي قدمه البعض لهذا الضعف ظل حبيس مقاربة تبريرية سطحية، إذ تم ربط الأمر بتزامن التداريب مع العشر الأواخر من شهر رمضان، أو بضغط الدراسة الجامعية، أو حتى بالظروف المناخية وحركية التنقل المرتبطة بقرب عيد الفطر.
وهنا يطرح سؤال جوهري: هل هذه الأسباب كافية فعلا لتفسير ضعف المشاركة؟ أم أن الأمر يكشف عن إشكال أعمق يتعلق بطبيعة الحقل الجمعوي التربوي ذاته؟
الحقيقة التي يصعب القفز عليها أن عددا من الجمعيات الجادة التي تمتلك رؤية واضحة للعمل التربوي استطاعت تنظيم تداريبها بحمولة كاملة، ونجحت في تعبئة أطرها التربوية رغم كل الإكراهات الزمنية والمناخية والاجتماعية.
وهو ما يدل على أن المشكلة ليست في التوقيت، ولا في رمضان، ولا فيالعطلة الجامعية، بل في بنية بعض الجمعيات نفسها.
فالجمعية التي تمتلك مشروعا تربويا واضح المعالم، وتستثمر في رأسمالها البشري عبر التكوين المستمر، وتبني علاقة فكرية وتنظيمية مع أطرها، تستطيع دائما تعبئة المنخرطين وتأطيرهم وإقناعهم بأهمية التكوين.
أما الجمعيات التي تعيش خارج منطق المشروع التربوي، فإنها سرعان ما تنهار أمام أول امتحان حقيقي.
لقد أصبح جزء من الحقل الجمعوي التربوي يعيش نوعا من التضخم الرقمي الوهمي؛ أرقام كبيرة في اللوائح، وأسماء كثيرة في الملفات، و فروع وهمية بالبوابة و غياب ثام للشفافية والمحاسبة و الديمقراطية الداخلية ....غير أن الرصيد الحقيقي والفعل التربوي والأطر المؤهلة يكاد يكون محدودا أو منعدما.
فكثير من الجمعيات تبني حضورها على منطق "التسجيلات الموسمية"، حيث يتم نشر إعلانات في وسائل التواصل الاجتماعي تستهدف الشباب الراغب في الاستفادة من التداريب أو المشاركة في المخيمات، دون أي رابط فكري أو تربوي أو تنظيمي مع المشروع الجمعوي لافتقارها لراس مال بشري من أطفال ويافعين وشباب واطر حاملة لرسالة تربوي .
إنها جمعيات تقوم على منطق الاستهلاك التربوي لا على منطق البناء التربوي.
شباب يتم استقطابهم عبر إعلان رقمي عابر، يشاركون في تدريب أو مخيم، ثم يختفون كما ظهروا، لأن العلاقة منذ البداية لم تكن علاقة مشروع، بل علاقة فرصة ظرفية.
وفي هذه الحالة يصبح الحديث عن ضعف الإقبال مجرد نتيجة طبيعية لمنظومة تفتقر إلى العمق التربوي.
فالمنشط الذي لم يترب داخل مدرسة جمعوية حقيقية، ولم ينخرط في مسار تكويني تدريجي، لن يرى في التدريب محطة ضرورية لتطوير ذاته، بل مجرد نشاط اختياري يمكن الاعتذار عنه بسهولة.
ومن هنا يظهر الفرق بين الجمعيات التي تمثل مدارس حقيقية للتكوين التربوي، وتلك التي تشتغل بمنطق المناسبات والبرامج الموسمية.
الأولى تبني أطرها عبر سنوات من العمل التربوي المتراكم، حيث يشكل التدريب مسارا متدرجا يبدأ بالتجربة الميدانية ويستمر عبر التكوين والتأطير.
أما الثانية فتتعامل مع التدريب كإجراء إداري مطلوب للحصول على الترخيص بالمشاركة في المخيمات.
إن الأزمة التي تكشفها هذه الواقعة ليست أزمة إقبال، بل أزمة تصور أعمق للعمل الجمعوي التربوي.
فحين يتحول الفعل التربوي إلى مجرد نشاط ظرفي، وحين تختزل الجمعية في صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي، يصبح من الطبيعي أن يتبخر الرأسمال البشري عند أول اختبار.
ولهذا فإن المسؤولية لا تقع فقط على الجمعيات التي تفتقر إلى رؤية استراتيجية و مقومات حقيقية للفعل التربوي ، بقدرما تمتد إلى الجهات المنظمة للحقل التخييمي، وفي مقدمتها الوزارة الوصية والجامعة الوطنية للتخييم.
ذلك أن تدبير هذا المجال يقتضي اليوم شجاعة مؤسساتية في إعادة طرح السؤال القديم: أي جمعيات تستحق ان تكون جزء من منظومة التخييم؟
إن الحقل التربوي يحتاج إلى عملية تنقية حقيقية من الشوائب التي تراكمت فيه عبر سنوات.
ليس بمنطق الإقصاء أو التضييق، بل بمنطق إعادة الاعتبار للمعايير التربوية والتنظيمية التي يجب أن تؤطر العمل الجمعوي.
فالجمعية التي لا تمتلك مشروعا تربويا واضحا ولا تشتغل بمنطق التكوين المستمر، ولا تتوفر على رأسمال بشري حقيقي، و ليس لها امتداد طبيعي طيلة السنة في مؤسسات الطفولة وةالشباب يصعب أن تتحمل مسؤولية تأطير الطفولة والشباب داخل فضاءات المخيمات.على اعتبار ان المخيم، في جوهره، لم يكن يوما فضاءً للترفيه العابر فقط، لقد شكلت لعقود مدرسة اجتماعية لإنتاج القيم وبناء الشخصية وتنمية روح المواطنة.
ومن هنا فإن المرحلة تفرض الانتقال من منطق تدبير الأعداد إلى منطق بناء الجودة.
فليس المهم كم جمعية تشارك في المخيمات، المهم اليوم هو جمعيات تمتلك القدرة التربوية والفكرية على تأطير الأطفال واليافعين.
لقد آن الأوان لإعادة الاعتبار لفكرة "المدرسة الجمعوية"، حيث تكون الجمعية فضاءً للتنشئة والتكوين والالتزام، لا مجرد إطار للحصول على مشاركة موسمية في برامج التخييم
فالعمل التربوي الحقيقي لا يصنعه إعلان رقمي، ولا تبنيه لوائح الأسماء، بل يصنعه مشروع فكري وتربوي واضح، وأطر مؤمنة بدورها المجتمعي.
إن ضعف الإقبال على بعض التداريب يكشف في العمق عن أزمة صدق داخل جزء من الحقل الجمعوي التربوي.
وهي لحظة ينبغي استثمارها لفتح نقاش صريح حول مستقبل المخيمات ودور الجمعيات داخلها.
فإما أن نستمر في إعادة إنتاج نفس الأعطاب التنظيمية كل سنة، وإما أن نختار طريق الإصلاح الحقيقي الذي يعيد الاعتبار للجمعيات الجادة التي ظلت لعقود تحمل عبء تأطير المخيمات بصدق وتطوع والتزام.
وفي النهاية، يبقى السؤال البسيط الذي يجب أن يوجه هذا النقاش:
هل نريد مخيمات قائمة على منطق العدد، أم مخيمات تقوم على منطق التربية؟






