آلية السقوط: من الذات النقدية إلى الإمّعية
السقوط لا يحدث دفعة واحدة، بل يبدأ بانحناءة صغيرة أمام العاطفة. المثقف يبرّر لنفسه قائلاً: «الناس غاضبون، ومن واجبي أن أكون قريباً منهم». ثم يتحول هذا القرب إلى انخراط كامل في خطاب يرضي الجمهور أكثر مما يرضي العقل. ومع الوقت، يفقد المثقف صوته الخاص، ويتحول من ذات نقدية مستقلة إلى إمّعة جماهيرية، يردد ما يريد الجمهور سماعه، ويستعمل لغة الانفعال بدل لغة التحليل.
وهذا التحول أخطر من سقوط السياسي؛ فالمجتمع ينتظر من السياسي أن يساير الجمهور، لكنه ينتظر من المثقف أن يقاوم هذا الميل. فإذا انخرط المثقف في الجوقة، فقد دوره، وفقد شرعيته، وفقد قدرته على التفكير الحر.
نموذج معاصر: حسن أوريد بين العقل والموجة
في هذا السياق، يبرز مقال حسن أوريد المنشور في مجلة «زمان» (12 فبراير 2024) بعنوان «حين تنتهي الكرة… وتبدأ الأسئلة الكبرى» كنموذج دالّ على هذا السقوط. فالرجل، الذي اعتُبر طويلاً من الأصوات القادرة على الحفاظ على مسافة نقدية من الأحداث، بدا في نصه أقرب إلى متحدث باسم الجرح الجماعي منه إلى محلّل يقرأ الحدث ببرودة ووضوح.
منذ السطر الأول، يتضح أن المقال لا يهدف إلى تفكيك ما جرى في «الكان»، بل إلى تضميد شعور جماعي بالخيبة. اللغة شاعرية، مشحونة، دفاعية، بينما يُفترض في المثقف أن يقدّم قراءة عقلانية لا تنساق خلف الانفعال.
تناقض بين الادعاء والممارسة
أوريد يعلن العقلانية لكنه يكتب بلغة جريحة. يدعو إلى الهدوء لكنه يستعمل معجماً مشحوناً. يطالب بالبراغماتية لكنه يستدعي الهوية («نحن أفارقة ونبقى أفارقة») بطريقة تكشف أكثر مما تفسّر. هذا التوتر ليس مجرد خيار أسلوبي، بل علامة على أن الكاتب يكتب تحت ضغط الجماهير، لا تحت إملاء العقل.
فالمقال، في جوهره، ليس تفكيراً في الحدث، بل ردّاً على الشماتة، ومحاولة لاستعادة الاعتبار، واستدعاءً للاعتراف. وهنا يظهر السقوط: حين يتحول المثقف من محلّل إلى مدافع، ومن ناقد إلى متأثر.
تفكك البنية التحليلية
السقوط يتجلى أيضاً في البناء الداخلي للنص. فالمقال يقفز من الرياضة إلى الهوية، ومن التربية إلى السياسة الدولية، دون خيط ناظم. هذا التشتت يعكس غياب رؤية تحليلية واضحة، وتعويضها بوعظ يهدف إلى طمأنة القارئ أكثر مما يهدف إلى فهم الحدث.
حتى استدعاء التاريخ (فيخته، نابليون…) لم يكن لتوسيع أفق الفهم، بل لإضفاء هيبة ثقافية على خطاب يفتقر إلى البرهنة. التاريخ هنا يتحول إلى زينة بلاغية، لا أداة تفسير.
هيمنة الإنشاء وغياب البرهان
أخطر ما في المقال هو غياب الأدلة. الحديث عن «ابتزاز» و«حملات مغرضة» دون مثال واحد يجعل النص أقرب إلى منشور في وسائل التواصل منه إلى مقال فكري. الإنشاء يطغى، والرقم يغيب، والبلاغة تُستدعى لتغطية فراغ استدلالي واضح.
وهكذا يتحول المثقف، الذي كان يُنتظر منه أن يعلو فوق اللحظة، إلى جزء من اللحظة نفسها.
من المثقف إلى المؤثر: منطق السقوط نفسه
هذا السقوط لا يقتصر على المثقف وحده؛ فنجوم شبكات التواصل الاجتماعي يعيشون اليوم الشكل الأكثر فجاجة من هذا الانزلاق. فالعلاقة بين «المؤثر» والجمهور أصبحت علاقة تعاضدية:
* الجماهير تستعمل المؤثر للتعبير عن غضبها
* والمؤثر يستعمل الجماهير لصناعة شهرته
وفي النهاية، يصبح الطرفان أسرى الموجة نفسها. المؤثر، مثل المثقف الساقط، يتحول إلى إمّعة جماهيرية، يكرر ما يثير التفاعل، ويتجنب ما قد يزعج المتابعين، ويكتب تحت ضغط «الترند» لا تحت إملاء العقل.
ومقال أوريد، في هذا السياق، يبدو أقرب إلى منطق المؤثرين منه إلى منطق المفكرين: نصٌّ يساير موجة الانفعال الجماعي، ويعيد إنتاج خطاب الجمهور بلغة شاعرية، فيتحول المثقف من ذات نقدية مستقلة إلى تابع للمزاج العام.
خلاصة السقوط
إن خيبة هذا النص ليست في مضمونه، بل في دلالته: مثقف بوزن حسن أوريد ينزلق إلى خطاب اللحظة، ويكتب تحت تأثير الجماهير، لا تحت سلطة العقل. وهذا السقوط، مهما بدا بسيطاً، يعكس أزمة أعمق: أزمة مثقف لم يعد قادراً على مقاومة ضغط الجمهور، ولا على الحفاظ على المسافة الضرورية التي تمنحه شرعية التفكير.






