رأي

جلال المخفي: من لويزيانا وفالنسيا إلى القصر الكبير

صحفي

من قلب السهول الممتدة في ولاية لويزيانا الأمريكية، إلى ضفاف نهر “اللوكوس” بمدينة القصر الكبير، ومن خلفها الأودية الهائجة في إسبانيا والبرتغال، تتشابه المأساة وتكاد الدروس تردد السردية نفسها.

إن المشاهد الصادمة للمياه وهي تبتلع الأحياء السكنية وتجرف سبل العيش ليست مجرد حوادث عارضة، بل هي إعلان صريح عن سقوط النماذج التقليدية للبنى التحتية. فعندما تغرق المدن في أقوى اقتصاديات العالم بنفس الطريقة التي تغرق بها حواضرنا، ندرك أن العجز البنيوي بات ظاهرة عالمية أمام طبيعة قررت رفع سقف التحدي بشعار “عليّ وعلى أعدائي”.

الطبيعة تسترد مجاريها

في لويزيانا عام 2016، كشفت التحقيقات أن السدود والطرق السريعة التي بُنيت بمليارات الدولارات لحماية الناس هي التي تسببت في حجز المياه ومنع تصريفها، محولة الأحياء إلى أحواض مغلقة.

هذا السيناريو تكرر في القصر الكبير؛ حيث وُجهت أصابع الاتهام لآليات تدبير سد “وادي المخازن” وتوقيت فتح صماماته، فضلا عن البنية التحتية التي وقفت مشلولة أمام تدفقات فاقت التوقعات.

إن العيوب في قنوات التصريف واختناق المجاري المائية نتيجة الزحف العمراني، تضع “الهندسة البشرية” في قفص الاتهام؛ فما كان يُعتبر “إنجازا” بالأمس، صار اليوم عبئا يفاقم حجم الكارثة ويمنع الأرض من استيعاب فائض المياه. إن الطبيعة في القصر الكبير لم تفعل سوى أنها استردت مجاريها التاريخية التي اغتصبها الإسمنت، كاشفة عن هشاشة التخطيط الذي يتجاهل “ذاكرة الماء”.

من مدريد إلى القصر الكبير

لا يمكن قراءة ما حدث في القصر الكبير بمعزل عن الجيران في الضفة الشمالية للمتوسط. فإسبانيا والبرتغال، اللتان تمتلكان بنى تحتية بمعايير أوروبية صارمة، لم تصمدا أمام المنخفضات الجوية الحادة وفيضانات “دانا” المباغتة.

هذا التزامن يسقط فرضية أن “الهشاشة” حكر على مناطق دون غيرها؛ فالطبيعة لا تعترف بالحدود أو التصنيفات الاقتصادية حينما يختل التوازن المناخي. إن تشابه العيوب في تصريف المياه بين القصر الكبير وفالنسيا الإسبانية، يثبت أن التخطيط العمراني الحديث ارتكب خطأً جسيما حين تجاهل التغيرات المناخية المتطرفة وظن أن الخرسانة قادرة على لجم غضب السيول إلى الأبد.

أرقام تنذر بـ”مستقبل أسوأ”

على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، تكبّد المغرب ثمنا باهظا بسبب الكوارث الطبيعية؛ إذ تشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الخسائر الاقتصادية السنوية تفوق 8 مليارات درهم (حوالي 800 مليون دولار)، أي ما يعادل 0.8% من الناتج المحلي الإجمالي. وإذا اعتمدنا هذا المعدل، فإن التكلفة الإجمالية خلال هذه الفترة تصل إلى نحو 120 مليار درهم، فضلاً عن الكوارث الكبرى كزلزال الحوز الذي كلف وحده 7 مليارات دولار. تتوزع هذه الخسائر بين الفيضانات (4 مليارات درهم سنوياً) والجفاف (3 مليارات درهم).

هذه الأرقام المفزعة تتفاقم بفعل عوامل بشرية عميقة، أبرزها الفساد والرشوة في قطاعات البناء، وسوء التدبير وغياب الحكامة، مما ينتج منشآت تعجز عن الصمود وتجعل المشاريع التنموية تتجاهل خرائط المخاطر المستقبلية. ومع توقعات تشير إلى أن 42% من الشريط الساحلي المغربي سيواجه خطر الفيضانات بحلول عام 2030، تشتد الحاجة إلى شفافية مطلقة وتخطيط مناخي لا يرحم الفساد.

تتطلب مواجهة هذا الواقع مراجعة شاملة لخرائط المخاطر العمرانية في المغرب وتحيينها بما يتوافق مع التوقعات المناخية الجديدة، مع ضرورة فرض رقابة قضائية صارمة على صفقات البنية التحتية لضمان الجودة وقطع الطريق أمام الفساد الذي يضعف متانة المنشآت.

كما يستوجب الأمر تشجيع الابتكارات الحديثة في مجال مكافحة الكوارث، مثل تبني مفهوم “المدن الإسفنجية” القادرة على امتصاص الفائض المائي، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في أنظمة الإنذار المبكر لتعزيز الاستجابة الاستباقية.

إن التكامل بين البحث العلمي لتطوير مواد بناء مرنة وبين الحكامةب المائية التي توازن بذكاء بين تخزين المياه لمواجهة الجفاف وبين التفريغ الآمن للسدود، يمثل السبيل الوحيد لحماية الأمن القومي بمفهومه الشامل وضمان استقرار المجتمعات أمام طوفان المناخ القادم.