مجتمع وحوداث

إجلاء من القلب إلى القلب

ميمونة الحاج داهي

في وعي والدتي، "المخزن" ليس توصيفا إداريا ولا سلطة مجردة. كان اسما واسعا لكل من يرتدي بذلة الدولة ويخرج من بيته ليقف في المسافة الفاصلة بين الخطر والناس. جيش، شرطة، درك، قوات مساعدة، وقاية مدنية… لم تكن ترى الفوارق، لأنها لم تكن تنظر إلى الرتب، بل إلى لحظة الحضور حين تصبح الحياة مهددة.

في الجنوب، كان مرور شاحنات الجيش أمرا مألوفا. الطريق اعتادها بوصفه ممرا نحو الحزام الأمني، والمدينة ألفت عربات الشرطة المتوقفة عند نقاط محددة، لم تتوقف هناك للزينة ولا للهيبة، بل لضبط ما يمكن أن ينفلت إن قرر أحدهم اختبار الفوضى. كبرتُ وسط هذا الاعتياد، فلم أرَ فيه معنى زائدا عن كونه مشهدا يوميا عابرا.

إلا أمي.

كانت تنظر إلى تلك الشاحنات نظرة مختلفة، نظرة امتنان صامت لا يحتاج إلى تفسير. تبتسم ابتسامة خفيفة، ثم تقول كلمتين ثابتتين بلهجتها الحسانية البليغة، لا تتغير نبرتهما ولا موقعهما: "يْمَتَّنْكُم ويْعَتَّنْكُمْ". وكنت أنا، صبية مثقلة بالغضب، أرفض هذا الامتنان بعناد أخلاقي حاد. أسألها لماذا؟ ماذا فعلوا سوى عملهم؟ أليسوا يتقاضون عليه أجرا؟

لا ترد على انفعالي مباشرة تختار دائما أن تصمت قليلا، ثم تقول بهدوء لا يقبل الجدل: الزمن سيخبرك بما كنتِ تجهلين خبره.

لم أكن متمردة على الفكرة فقط. كنت موجوعة منها..كنت ابنة أحدهم.

أحد أولئك الذين خرجوا يوما في عملية إجلاء، لم يخرج بحثا عن بطولة ولا سعيا إلى موت. خرج لينبّه الرُّحل إلى خطر المرتزقة، ليقول لهم إن المكان لم يعد آمنا. سقط في كمين. رصاصات، ثم لغم أرضي. وانتهى كل شيء. هكذا، ببساطة قاسية، تبدأ قصة اليتم.

كبرتُ وأنا أحمل سؤالا لا يهدأ: لماذا مات؟ ولأجل من؟ لماذا اختار الآخرين علينا؟ لماذا قدّم الرُّحل على أسرته؟ كنا أولى به. أولى بعودته، بحياته العادية، بحضوره اليومي البسيط. لم يهتم أحد لغيابه لم نُمنح  تعويضا، ولا اعترافا، ولا حتى رسالة شكر. لم يُذكر اسمه. لم تُستدعَ قصته. صار غيابا بلا ذاكرة..نقطة من المعنى تلاشت في عتمة صفحة الخذلان..

لهذا كنت غاضبة.

لهذا كنت أرى في “الواجب” كلمة ثقيلة، وفي “العمل” تبريرا مقيتا للخسارة.

رفضت الامتنان، لأنه كان يبدو لي خيانة للجرح..خيانة للذكرى و خيانة للتمرد الكامن داخلي..

مر الزمن..و شاء القدر أن أعاصر فيضانات الغرب حيث مسكني و مأهلي..

رأيت صور الإنقاذ. رأيت "مخزن أمي" بكل تلاوينه ينزل إلى الأرض. لم تسبقه خطابات، ولم يستعجل للثناء، ولا حاول تجميل المشهد. كان هناك فعل فقط: إنقاذ، إجلاء، سهر، حضور مباشر في لحظة لا تحتمل الغياب. رأيت شاحنات الجيش تمر، ورأيت في عيون الناس امتنانا صافيا، لم يُطلب منهم و لم يتصنعوه، ظهر حين وصل من يجب أن يصل.

هنا، تغير السؤال داخلي.

لم أعد أسأل: لماذا يفعلون؟

سألت: ماذا لو لم يفعلوا؟

وفهمت، بهدوء متأخر، أن بعض الأعمال لا يقاس أجرها بالمال، لأن ثمنها الحقيقي يُدفع من الحياة نفسها. وأن بعض الغياب، مهما كان موجعا، لا يكون عبثيا حتى وإن لم يُكافأ. وأن هيبة المخزن لا تتقدم في أيام الرخاء، بل في أوقات المحن، حين لا يبقى للناس سوى من يتحمل دون أن يشرح.

وقفت بين الجموع. كنت ابنة اليتم، والصبية الغاضبة، والمرأة التي وصلت متأخرة إلى المعنى، مجتمعة في لحظة واحدة. تذكّرت أبي. لم أبرّر موته، ولم أستبدل حزني بحكمة جاهزة. لكنني فهمت لماذا خرج، ولماذا لم يعد.

وحين مرّت الشاحنات العسكرية الخضراء من أمامي ، خرجت الكلمات من فمي دون قصد، دون مقاومة، دون حساب:

"يمتنكم ويعتنكم… وينصركم".

 كلماتي لم تكن دعاء لهم وحدهم..بل مصالحة صامتة مع معنى قاومته طويلا..

ها قد وفى الزمنُ بوعدِه، يا أمي..