نظمت مساء الخميس 29 يناير 2026 بالدار البيضاء، ندوة صحفية أعلنت عن افتتاح المهرجان الدولي "جدبة و كلام" في دورته الخامسةـ النسخة الجهويةـ المنظم بنفس المدينة من طرف جمعية اللمة للفن والثقافة إلى يوم 01 فبراير 2026 بشراكة مع جهة الدار البيضاء سطات ووزارة الشباب و الثقافة و التواصل ـ قطاع الثقافة- و بتنسيق مع مقاطعة الفداء و مؤسسة السهام، كفعل ثقافي يبدو كورش فني قادر على الاضطلاع نسبيا بمشروع أعمق و راهني مطروح في الساحة الفنية المغربية اليوم و الذي يختزله الشعار الذي أعطي لهذه الدورة " دعم الخلف لضمان استمرارية المجموعات الغيوانية".
عموما أمكن الإمساك بثلاثة محاور رئيسية عرفتها أحاديث هذا اللقاء الصحفي. أولا، نجد أن الحديث عن مساهمة هذا المهرجان في تسليط الضوء من جديد على ذاكرة الموروث الغيواني قد احتل مساحة مهمة في النقاش الذي عرفته هذه الندوة ليس فقط لما راكمته من الجمعية المنظمة لحدود الآن من ممارسة ثقافية ميدانية تتجه بشكل واضح نحو الاشتغال على هذا الموروث الفني من مداخل متعددة، و إنما لأن الحركة الغيوانية في تاريخيتها ومنذ ظهورها الجنيني الأول نهاية الستينات من القرن الماضي خصوصا في الدار البيضاء راهنت على التصالح و البحث في أشكال الموروثات التعبيرية داخل الثقافة الشعبية المغربية بكل ايقاعاتها الفنية الممكنة من فرجة الحلقة إلى ألوان متنوعة من الايقاعات الغنائية كالدقة المراكشية و الرودانية بالإضافة إلى البدوية بطبيعة الحال و غيرها من التعبيرات التراثية التي شكلت مختبرا فنيا حقيقيا كان من نتائجه الكبرى ميلاد الأغنية الغيوانية، التي أصبحت اليوم موروثا لامادي مغربي ناطق بجزء من ذاكرتنا الجمعية( جزء من مداخلة مراد لمهاوري رئيس المهرجان و عضو اللجنة المنظمة يوسف الساكت).
و لا ننسى أن قيمة هذا الموروث الثقافي الفني الغيواني تأتي أيضا من الرغبة التي أبان عنها الرواد الغيوانيون منذ زمن النشأة في التصالح مع فنون القول الشعبي المغربي عبر الحفر في عدد من متونه التراثية مثل الاشتغال على بعض القصائد الزجلية المنسوبة للفقيه العلامة المراكشي عبد الله بن الموقت كقصيدة " سبحان الله صيفنا ولى شتوا" التي نظمت زمن الحماية الفرنسية بالمغرب في سياق التضامن الشعبي المبكر للمغاربة مع القضية الفلسطينية منذ بداياتها الأولى، و هي متون شعبية أصيلة شكلت المادة الخام الأولى التي كان لمجموعات الحركة الغيوانية الفضل الكبير في التعريف بها كموروث مغربي لصالح جمهور المتلقي بمفهومه الجمعي (جزء من مداخلة الإعلامي و الباحث العربي رياض).
ثانيا، نجد أن الحديث عن علاقة المهرجان القائم بسؤال تثمين الذاكرة الفنية الغيوانية و ضمان استمرارية فعلها الثقافي اليوم ببلادنا قد أطر هو الآخر نقاشات هذه الندوة الصحفية، خصوصا أن ناقوس خطر حقيقي أصبح يهدد عمليا استمرارية هذا النمط الفني التراثي بالمغرب كممارسة ثقافية لم يعد لها على ما يبدو حضور قوي عند المتلقي المغربي حسب تعبير البعض.
و الواضح أن مدخل تثمين هذا التراث الغيواني الآن يتطلب الخروج من سردية الاستهلاك الإعلامي لهكذا خطاب و الاشتغال بمنطق الأوراش الميدانية القابلة للتنفيذ، سواء على مستوى توثيق المتون الغيوانية للمجموعات الرائدة كناس الغيوان و جيل جيلالة وغيرها توثيقا أكاديميا يسمح بنفض الغبار عن تراث من القول المغربي و التعريف به مع دعم إعادة كتابته بالنوتة الموسيقية كلغة تواصل كونية( جزء من مداخلات الموسيقي رضوان عاريف و يوسف الساكت و الإعلامي ربيع و كاتب المقال و أحد الباحثين)، أو على مستوى ضرورة التفكير الجدي في تدشين متحف لحفظ الذاكرة الغيوانية كفضاء مؤسساتي بإمكانه التعريف بمعالم من هذا الموروث و تعبيراته والاته الموسيقية و أعلامه ورواده لصالح الجمهور المغربي و الأجنبي على السواء، خصوصا إذا ما تم ربط هذا بالإمكانات الواعدة التي يمكن أن يوفرها الاستثمار في الوسائط الرقمية الجديدة لتوليد استمرارية تثويرية لهذا النمط الغيواني التراثي بين شباب اليوم(جزء من مداخلة أحد الباحثين).
و يأتي التكوين كرافعة مهمة لضمان استمراية الفعل الثقافي و التثقيفي إن صح التعبير لذاكرة الحركة الغيوانية اليوم، و هو بعد حاضر بقوة في مشروع هذا المهرجان خصوصا عبر دعم التجارب الغيوانية الشابة التي اختارت هذا النمط كأفق لفعلها الفني والتي سيكون لها حضور واضح في عدد من الفقرات الموسيقية المبرمجة خلال هذه الدورة من مهرجان جدبة و كلام، مع العلم هنا أن مشاركة مجموعة السهام إحدى المجموعات الغيوانية التي راكمت عقودا من التجربة و الممارسة الفنية في هذا الحدث الثقافي يعطي لهذا البعد دلالة رمزية، على اعتبار أن السهام بمسارها الفني الطويل ساهمت و لا تزال عبر ورشها التكويني المفتوح في تأطير عدد من الأصوات الغنائية الشابة التي أصبح لها حضور في المشهد الفني المغربي الحالي( جزء من مداخلة مراد لهاوري و خالد مشفيق أحد رواد السهام).
ثالثا، سنجد أن الحديث عن الشروط المثلى لضمان استمرارية الفن الغيواني كممارسة ثقافية شعبية بالمغرب قد برز كمحور ثالث حرك هو الآخر نقاش الندوة، حيث كانت الإشارات قوية في هذا الباب بخصوص ضرورة انخراط المؤسسات الرسمية الوصية لتضطلع بدورها الدستوري في دعم هذا الفعل الثقافي كرأسمال لامادي يستوجب التثمين و الاستثمار بمنطق تشاركي مع المجتمع المدني و الفاعل الجمعوي لينتصر للمهرجانات الثقافية التي تمتح من عمق الموروثات الشعبية للمغاربة و تجعل منها أفقا لخدمة الشأن الثقافي و الذاكرة الجمعية في بعدها المحلي، بعيدا عن طقوس صرف الميزانية العمومية المخصصة للشأن الثقافي داخل عدد من مجالس التسيير الجهوي مثل ما يحصل في الدار البيضاء في إنتاج أنشطة ثقافية بعيدة نسبيا عن العمق الشعبي و موروثات الذاكرة الجمعية للهوية المغربية علما أن هذا التصالح الرسمي المرغوب فيه لمؤسسات الدولة مع الثقافات المحلية الشعبية يعتبر هو الآخر مدخلا أصيلا، لتثمين ذاكرة المجال ككل كما هو الشأن بالنسبة للدار البيضاء كذاكرة تاريخية ثقافية استطاعت أن تحفر اسمها مبكرا كحاضرة وطنية و دولية لإنتاج فعل ثقافي مغربي كوني متعدد التعبيرات ( تفاعلا مع مداخلة رياض و لمهاوري) .
هذا طبعا دون نسيان ما لأهمية وسائل الإعلام والصحافة بمختلف أجناسها رسمية كانت أو غير رسمية في دعم هذا المجهود المتوخى نجاحه شريطة أن تكون المواكبات الصحفية لهكذا فعل ثقافي منجزة من طرف أصحابها بخلفية ثقافية فكرية تسمح بإنتاج محتويات إعلامية واعية بقيمة هذه الذاكرة الغيوانية و قادرة في نفس الوقت على المساهمة في تثمين استمرارية فعلها الثقافي( جزء من مداخلة كاتب المقال و الإعلامي إدريس الشرقاوي).






