سياسة واقتصاد

الأحرار وأجندة الغموض

ادريس الفينة

لا يزال حزب التجمع الوطني للأحرار يحيط رؤيته للانتخابات التشريعية لسنة 2026 بقدر كبير من الغموض. فمنذ الإعلان عن انسحاب عزيز أخنوش من رئاسة الحزب، تعددت القراءات والتأويلات حول دلالات هذا القرار، بين من اعتبره خطوة تكتيكية ظرفية، ومن رآه مؤشراً على إعادة ترتيب عميقة داخل الحزب. غير أن القراءة الأوضح تكمن في الرسالة السياسية التي أراد أخنوش توجيهها إلى مجمل الحقل الحزبي: الزعامة الحزبية، بصيغتها التقليدية المثقلة بالإكراهات، لم تعد شرطاً للتطور ولا ضماناً للاستمرارية.


هذا التحول لا يمكن عزله عن الإشارة الثانية التي حملها مسار الحزب، والمتمثلة في حصر التوجه نحو وجه شاب، غير محسوب على الحرس الحزبي القديم، ولم يتشكل داخل منطق “القيادات التاريخية”. هذه الخطوة تحمل دلالة رمزية قوية، مفادها أن قيادة الأحزاب لا يجب أن تبقى رهينة إعادة إنتاج النخب نفسها، ولا أن تنتقل الزعامة من “ديناصور حزبي” إلى آخر أكثر ولاءً، كما جرت العادة في تجارب حزبية عديدة.


بهذا الاختيار، يبعث حزب الأحرار برسالة مفادها أن السياسة ليست امتيازاً محفوظاً للأسماء الثقيلة ولا للأعمار المتقدمة، بل فضاء مفتوح للكفاءة والتجديد. كما يؤكد، بشكل غير مباشر، أن الرهان الحقيقي لم يعد في الشخص القائد بقدر ما هو في المشروع، وفي القدرة على تجديد النخب وربط العمل الحزبي بتطلعات أجيال جديدة.


في هذا السياق، يقدم حزب الأحرار نفسه كحزب منفتح على الطاقات الشابة، وقادر على كسر القوالب التقليدية للزعامة السياسية. وهي رسالة موجهة ليس فقط للناخبين، بل أيضاً لبقية الأحزاب، مفادها أن المستقبل السياسي لن يُبنى بالوجوه نفسها ولا بالمنطق نفسه، بل بإعادة تعريف القيادة ومعناها. بهذا المعنى، يسعى الحزب إلى ترسيخ صورته كحزب المستقبل، حتى وإن اختار أن يفعل ذلك من خلال أجندة كبيرة يغلب عليها الصمت والغموض المرحلي.