فن وإعلام

في قلبي جرح رحيل عبد الهادي بلخياط

عبد السلام المساوي
ونحن أطفال ، ونحن صغار ، ونحن كبار...في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات ...أحببنا عبد الهادي بلخياط ، المطرب الاستثنائي بأغاني مغربية وممتعة ...انشودة طفولتنا ...نغم حياتنا ...كان وسيبقى ...إنه الخلود ...

إنه رمز الطرب المغربي ...

رحل عبد الهادي بلخياط…

ولم يرحل الصوت.

فثمة أصوات لا تموت، لأنها لم تُخلق للهواء فقط، بل للمعنى. أصوات عبرت الزمن لا لتملأ الفراغ، بل لتمنح الصمت كرامته، وللإنسان شيئً من الطمأنينة في عالمٍ يضجّ بالضجيج.

 عبد الهادي بلخياط كان من أولئك الذين غنّوا كما لو أنهم يتنفسون ، واختاروا الفن طريقًا للسؤال لا للاستعراض، وللنقاء لا للاستهلاك.

لم يكن فنه وليد اللحظة، بل ثمرة وعيٍ عميق بأن الجمال مسؤولية أخلاقية، وأن الكلمة إن لم تُنقذ الروح فلا معنى لها.

 غنّى للحب كما يُغنّى للحقيقة، وغنّى للألم دون أن يبتذله، فصار صوته ذاكرةً خالدة، ومرآةً لهدوءٍ نادر في زمن السرعة والانفعال.

برحيله الجسدي، يذكّرنا بأن الإنسان لا يُقاس بطول عمره، بل بعمق أثره. وأن الفن الحقيقي لا يطلب الخلود، لكنه يُمنَح إياه. ترك لنا ما يكفي من الضوء لنفهم أن بعض الأرواح تمرّ في حياتنا لتعلّمنا كيف نصغي، لا كيف نُصفّق.

سلامٌ على روحٍ اختارت قرب الله ،

وسلامٌ على صوتٍ سيظلّ يهمس في وجداننا

إن ما يُقال بصدق… لا يزول.

   غنى فأطرب وانتشينا فرحا ؛ " الصنارة " ، " ميعاد " ، " القمر الأحمر " ، " الأمس القريب " ، " الشاطىء " ...

   غنى للوطن ، مغربي عشق المغرب " المغرب بلادي " ...

    كان هرما من أهرامات الفن في الزمن الجميل ...كان فنانا بثقافة ووعي ..كان عبد الهادي " أعلاش علاش مشيتي "

   تنساب الكلمات في تلقائية كأنها شلال لا ينضب نميره عن التدفق ، يتدفق الصوت رطبا على القلب في تناسق عجيب بين رقصات اللحن ، تناسق يوقظ فيك الفرح الطفولي لتنفتح الأبواب تدريجيا لقلب يبحث عن الجمال العفوي التلقائي.

   عبد الهادي بصوته القوي وهو يشدو ...صوت جميل ودافئء ،لكنه يفيض رجولة ...صوت فيه الكثير من الصدق بعنوان البساطة والهدوء .

    وانت تستمع لعبد الهادي ، وانت تنصت له ، تتمنى ان يطول الإنصات والاستماع، تتمنى ألا ينقطع ...تستمع الى عبد الهادي وأنت تستمع بصوت رخيم جميل ينطق جمالا وصوفية ....

" المنفرجة "...

تستمع الى عبد الهادي وكانك في رحاب سمفونية موسيقية فيها البساطة لكن فيها موهبة وإبداع ....وكانك تصلي في معبد النساك المتعبدين ...وعندما يتوقف الإرسال تبقى مهووسا بصوته ...أنغامه تسكنك وتطرد من اذنك كل صوت نشاز ...هو صوت تسمعه لأول مرة فتسقط عاشقا مغرما ولهانا ...فوداعا صاحب الصوت النقي الطاهر ...وعزاء لكل من اتيحت له فرصة الاستماع والاستمتاع بهذا الصوت ، صوت البلبل المغرد بالحان طبيعية بعيدا عن التكلف والتصنع .

 منذ بداية البدايات عشق الفن وداعب الوجود...عز عليها ان يسقط فيستجيب لطيور الظلام ...عز عليه ان يخفي صوته الطروب بأقنعة قذرة ...لم يطق له سقوطا لهذا اقتحم قطار الفن مهما غضب السيد والجلاد ...أصر على ان تبقى الراية مرفوعة والوردة مزهرة ...

   تعطر بوعي فني مبكر ، وضرب في الأرض في مرحلة حرجة من تاريخ مصر ...في سن مبكرة بدأ تشكل الوعي الإبداعي والانخراط في الغناء ...

وقف عبد الهادي بلخياط فوق خشبة الحياة وأعلن عشقه للفن .. .

 آلام المرحلة كانت حاضرة في وعيه ...هو عبد الهادي، إذن ، فنان بامتياز إبداعي ...

عنوان الأغنية المغربية ...

رمز الطرب المغربي ...

به نافسنا كبار مطربي الشرق ..

مطرب بقناعاته . ...لم يسقط سهوا على الفن ...هو فنان ايمانا واختيارا ...اكتسب شرعية الانتماء بالقوة والفعل ، وانتزع الاعتراف والتقدير بالصوت والإبداع ...

     و منذ البدايات كان عبد الهادي فنانا ممسكا بزمام مسار حياته ....

   بصوت أسطوري إصطحب ظله لعناق الأمل ، ودائما كان يحمل في كفه موهبة وصوتا ولحنا

  منذ بداية البدايات كشف عن موهبة تمتلك قدرة النجاح ، وظل دائما ودوما متمسكا بطموح االنجاح ...

   ارتشفت ثدي الفن ونهل من حليبه ، وتشبع بمبادئه وقيمه...

   لعبد الهادي حضور فني قوي ، حضور ينشده كل يوم ويذكره ،بل ويغنيه ويتصاعد في تناغم مع مسار جمالي ...هو أصلا تربى ضد الصمت ..تربى على الغناء والجمال ..

كان مترفعا في لحظات الهرولة ...كان واثقا في زمن التيه ...كان مؤمنا بأن النجاح اجتهاد وعمل...وأن الفن اختيار والتزام ...