يسأل بعض الإخوة عن مفهوم العلم؛ بعد زوبعة الدكتور الفايد. والفصل في الموضوع أن مفهوم العلم في الإسلام يجمع بين علمي الدنيا والآخرة. والأصل أن كل ما علمه الإنسان وكان غير عالم به فهو علم؛ فالعلم يوضع ضد الجهل وليس ضد الفقه أو النحو أو الفيزياء؛ أي لا يوضع ضد نفسه. وقد جمع القرآن المعنيين في عدة آيات مثل "شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم"؛ فأولو العلم هنا الذين يشهدون بالتوحيد هم علماء الكتاب وعلماء التراب؛ الأولون يعرفونه بنطقه والآخرون يعرفونه بخلقه؛ والشاهد أن عددا من العلماء الغربيين اعتنقوا الإسلام؛ فقد عرفوا الله بالعلم؛ ولو كان العلم المادي مكتفيا بنفسه ما احتاجوا إلى الإسلام.
ولكن اللغات الأوروبية فصلت العلم عن المسيحية؛ فجعلت كلمة science للعلم المادي؛ وجعلت théologie للعلم الديني. ولم يكتف الغرب بهذا بل ألحق المعارف الحديثة بمفهوم العلم science؛ أي أنهم سحبوا المفهوم على ما وضعوه وسحبوه من الإله؛ بمعنى أنهم أطلقوه على نتاج الوعي وسحبوه من نتاج الوحي؛ لذلك ظهرت علوم اقتصادية واجتماعية وعلم النفس؛ وهذه ليست علوما بالمعنى المادي. ولهذا السبب كلما أطلقت كلمة علم في اللسان الأوروبي أشارت إلى نقيض الدين.
وقد أبدع المسلمون حين فرقوا بين العلوم التي مصدرها الخبر والعلوم التي مصدرها النظر؛ وكانوا عباقرة في هذا؛ لأنهم ميزوا بين البناء "الإبيستيمواوجي" بين نوعي العلوم؛ واحترموا خصائص كل منهما. ولخص ابن خلدون الأمر كله حين أطلق كلمة "الصنائع" على جملة العلوم المادية. والعلم المادي اكتشاف واستخراج وتحويل؛ وهذا العلم عرفه البشر منذ القديم؛ لأنه تركيب الأشياء لأداء وظيفة؛ وقد اخترع الإنسان النبل لصيد الحيوان؛ وتطور النبل إلى البارود؛ والبارود إلى الكلاشينكوف؛ ولكن وظيفة النبل والكلاشينكوف هي نفسها؛ وهي القتل. وعبر طارق بن زياد على زورق بدائي؛ ولكن الإنسان طور البواخر العظيمة؛ لكن الجميع يعبر.
وإذا كنا نقول إن القرآن لم يترك شيئا؛ فهو لم يترك الرد على هذا الجدل القديم المتجدد حين قال "يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون"؛ والمسكوت عنه في الآية أن علم ظاهر الدنيا هو أيضا علم؛ لكنه علم الظاهر الذي يبقى في الدنيا ولا يمشي مع صاحبه؛ ما لم يرافقه علم الآخرة.
وقد كررت الآية الضمير "هم" مرتين "وهم عن الآخرة هم" نكاية في أصحاب هذا الفهم".






