فن وإعلام

دفاعًا عن القراءة...إننا لا نُفكر خارج اللغة (7)

سعيد ناشيد (كاتب)

نحن لا نُفكر بواسطة الكلمات التي نملكها فحسب، بل نُفكر داخل حدودها أيضًا. حين كتب فتغنشتاين في «رسالة منطقية فلسفية» (1921) أن «حدود لغتي هي حدود عالمي»، فقد كان يقصد أن ما لا نملك له اسمًا لا نستطيع إدراكه ولا التفكير فيه. وقد فهم أورويل هذا جيّدًا حين تخيّل في رواية «1984» سلطة لا تكتفي بمنع الأفكار، بل تمسح الكلمات. حتى إذا ضاقت اللغة، ضاق التفكير معها.

لكن من أين نأتي بالكلمات التي توسّع دائرة التفكير؟ ليس من الكلام اليومي، فهو يدور حول بضعة آلاف من الكلمات المألوفة التي تتكرّر يوميًّا، بل من الكتب. في عام 1988 نشر الباحثان هايز وأهرنس في «مجلة لغة الطفل» دراسة أحصيا فيها الكلمات النادرة في كلّ ألف كلمة من مصادر مختلفة، فوجدا أن حديث الكبار فيما بينهم، حتى حديث خرّيجي الجامعات مع أصدقائهم، أفقر بالكلمات النادرة من الكتب، بما فيها كتب الأطفال. فالكلمات النادرة، وهي التي تفتح أمام الذهن نوافذ جديدة، لا تأتينا في الغالب إلا من الصفحات المكتوبة.

والحال كذلك، طبيعي أن تتّسع الهوّة في القدرات العقلية بين من يقرأ ومن لا يقرأ، عامًا بعد عام. فالقارئ يكتسب كلمات جديدة، والكلمات الجديدة تجعل القراءة أيسر وأمتع، فيقرأ أكثر ويكتسب أكثر؛ أمّا من لا يقرأ فتبقى لغته في حدود ما يسمعه، فيستعصي عليه النصّ ويزهد فيه، إلى أن ينفر من القراءة في الأخير. فالقراءة ليست علامة على العقل الجيّد فحسب، بل صانعة له.

فاللغة ليست ثوبًا تلبسه الفكرة بعد أن تولد، بل هي الجلد الذي تولد به. من قرأ أكثر اكتسب كلمات أكثر، ومن ثم اتّسع أمامه العالم الذي يعيش فيه.