مجتمع وحوداث

الجمعيات المغربية تستعد لاختبار إرادة الأحزاب السياسية في حماية الحق في تأسيس الجمعيات

عثمان مخون (عضو الفضاء الجمعوي)
انتهت الانتخابات وبدأت الأحزاب السياسية حصاد نتائجها بين رابح وخاسر، مفسحة المجال لدورة سياسية جديدة تتأرجح بين طموح المغرب في التموقع كقوة إقليمية صاعدة، وبين مخاوف التأجيل المستمر لتطلعات المواطنين نحو دولة الرخاء والديمقراطية الحقيقية.

ولا يكتمل الحديث عن الديمقراطية دون ضمان حرية التعبير والتنظيم الجمعوي؛ حيث تصطدم آلاف الجمعيات اليوم بتعقيدات إدارية وتماطل يمس أمنها القانوني من خلال الامتناع عن تسليم وصولات الإيداع، مما يعطل أدوارها التأطيرية والاجتماعية.

فقد يبدو "وصل الإيداع" ورقة إدارية صغيرة لا تستحق أن تكون موضوعا سياسيًا في البرامج الانتخابية للأحزاب، خاصة بالنسبة للأحزاب التي لا تمتلك أذرعا جمعوية فاعلة أو تنظيمات موازية نشيطة في المجتمع. لكن بالنسبة إلى جمعية تريد فتح حساب بنكي، أو توقيع اتفاقية شراكة، أو استئجار مقر، أو التقدم بطلب تمويل، فهذه الورقة أو الوثيقة (المفتاح) هي التي تحدد الفاصل بين الوجود الفعلي والقانوني للجمعية وبين الوجود المعلق بمدى امتثال واحترام الإدارة للنص القانوني. وهذا ما دفع عددا كبيرا من الجمعيات المغربية لكي تضع قضية حرية تأسيس الجمعيات أمام الأحزاب التي تنافست في الانتخابات التشريعية الأخيرة، مطالبة إياها بتحويل الحديث العام عن المجتمع المدني وعن حرية الجمعيات إلى التزامات تشريعية وإدارية قابلة للقياس.

وتأتي هذه المبادرة في سياق سياسي واجتماعي مشحون، تداخل فيه التنافس الانتخابي مع نقاش أوسع حول أداء المؤسسات والحريات والثقة في العمل السياسي، وحتى احتجاج المحامين على القانون الجديد المنظم للمهنة، المستمر منذ 15 يونيو الماضي وفق ما أعلنته هيئات المهنة، يعكس بدوره حساسية العلاقة بين التنظيم القانوني للفضاء العام واستقلال الفاعلين فيه. لكن قضية الجمعيات تظل مختلفة في طبيعتها: فهي لا تتعلق بفئة مهنية أو اجتماعية محددة بقدر ما تمس حق المواطنات والمواطنين في أن ينتظموا بشكل طوعي للدفاع عن قضية أو تقديم خدمة أو مراقبة سياسة عمومية أو المشاركة في النقاش العام.

من حيث النصوص، يبدو الإطار التشريعي المغربي واضحا لا يقبل التأويل أو الجدل، فهناك دستور 2011 الذي يقر بكل صراحة وبكل وضوح حرية تأسيس جمعيات المجتمع المدني وممارسة أنشطتها، كما يمنحها أدوارا في الديمقراطية التشاركية وإعداد القرارات والسياسات العمومية وتتبعها وتقييمها، ومن جهة أخرى هناك ظهير 15 نوفمبر 1958 المنظم لحق تأسيس الجمعيات، الذي يقوم على مبدأ جوهري: تأسيس الجمعية يخضع لنظام التصريح وليس لنظام الترخيص المسبق، بمعنى أن المواطن لا يحتاج، من حيث الأصل، إلى موافقة تقديرية من الإدارة حتى يؤسس جمعية، كما أن حل الجمعية أو توقيفها لا يفترض أن يكون قرارا إداريا، بل يخضع للقضاء.

المفارقة تبدأ عندما ينتقل القانون من الورق إلى المصالح الإدارية التابعة لوزارة الداخلية، حيث يرصد التقرير التركيبي[1]الذي أعدته جمعية الفضاء الجمعوي، صورًا مختلفة و متكررة من الصعوبات التي باتت تعانيها كل الجمعيات تقريبا مثل: رفض تسلم الملف من دون قرار مكتوب، عدم ختم نسخة الجمعية، تأخير الوصل المؤقت، تعليق الوصل النهائي على أبحاث غير محددة المدة، طلب وثائق غير منصوص عليها، أو اختلاف الشروط من مقاطعة إدارية أو قيادة أو عمالة (محافظة) إلى أخرى، كما يشير نفس التقرير إلى أن الجمعيات الحقوقية والترافعية، والجمعيات العاملة في قضايا حساسة، والفروع المحلية والجمعيات القروية أو الحديثة، قد تكون أكثر تعرضا لهذه الإشكالات والعراقيل.

وهذا لا يعني أن كل الإدارات المغربية تتصرف بالطريقة نفسها، أو أن وجود هذه الحالات يكفي للحديث عن سياسة موحدة أو ممنهجة للتضييق، فالتقرير التركيبي يشدد على التفاوت الترابي وعلى تعدد الممارسات والتفسيرات. لكن تكرار وتواتر المشكلة هو ما يمنحها بعدا عامًا، فالحق الدستوري يفترض أن تكون شروط ممارسته متقاربة في الرباط العاصمة كما في مدن وجدة أو أكادير أو أية قرية بعيدة، لا أن تتغير بحسب الموظف أو المصلحة الإدارية التي تستقبل الملف القانوني للجمعية.

وبالرجوع إلى المادة الخامسة من قانون الجمعيات (ظهير 15 نوفمبر 1958) فهي تلزم، عند استيفاء الإجراءات، بتسليم وصل مؤقت مختوم ومؤرخ فورا وفي الحال، ثم وصل نهائي داخل الأجل القانوني الذي هو ستون يوما. لكن المشكلة أن الوصل، رغم أنه ليس ترخيصا بإنشاء الجمعية، قد أصبح في الواقع وثيقة تحتاج إليها الجمعية أمام البنك والإدارة والمانحين والجماعات الترابية وأصحاب القاعات والفضاءات العمومية الحاضنة لفعاليات ونشاطات الجمعية. لذلك فإن حجب الوثيقة أو تأخيرها قد لا يلغي الجمعية نظريا، لكنه قادر عمليًا على إرباك نشاطها، وتعطيل حسابها البنكي وشراكاتها وتمويلها وإثبات صفة ممثليها.

فهذه الفجوة ليست مجرد استنتاج للنشطاء، فقد سجل المجلس الوطني لحقوق الإنسان بدوره في أحد تقاريره، شكايات تتعلق برفض تلقي التصريحات وعدم تسليم الوصول المؤقتة أو النهائية وتجديد المكاتب وإيقاف أنشطة وصعوبات استعمال القاعات العمومية، كما تدخل القضاء الإداري في أكثر من مناسبة لإنصاف الجمعيات أمام شطط الإدارة، و من بين السوابق المذكورة في هذا الباب، حكم للمحكمة الإدارية بأكادير سنة 2008 الذي أكد التزام الإدارة بتسليم الوصل، وقرار للغرفة الإدارية بالمجلس الأعلى سنة 2007 اعتبر الامتناع عن تسليمه خطأ مرفقيًا يمكن أن يفتح باب التعويض المالي، كما ألغى القضاء الإداري بالرباط سنة 2014 قرارا بمنع ندوة حقوقية.

غير أن اللجوء إلى القضاء لا يحل كل شيء. فإذا استغرقت الدعوى شهورًا بينما كانت الجمعية تستعد لنشاط بعد أسبوع، فقد تصبح الحماية القضائية صحيحة قانونيا لكنها متأخرة عمليًا، كما أن إثبات رفض الإدارة تسلم الملف قد يكون صعبا عندما لا يصدر قرار مكتوب بالرفض، ولهذا بدأ جزء من العمل المدني ينتقل من الدفاع عن الحالات الفردية بعد وقوعها إلى المطالبة بتغيير قواعد المسطرة نفسها.

وهذا ما يظهر بوضوح في المذكرة الترافعية الموجهة إلى الأحزاب المشاركة في الانتخابات الأخيرة. فالجمعيات الموقعة لا تكتفي بطلب "احترام حرية الجمعيات"، بل تقترح أدوات محددة، كاعتبار محضر العون القضائي أو الإشعار الإلكتروني دليلا منتجا لآثاره القانونية عندما تمتنع الإدارة عن تسليم الوصل، و تقترح أيضا إحداث منصة وطنية للإيداع الإلكتروني تمنح وصلًا فوريا يحمل التاريخ والساعة والرقم المرجعي، ومنع مطالبة الجمعيات بوثائق غير واردة في القوانين المنشورة.

وتذهب المطالب الواردة في مذكرة الجمعيات أبعد من ذلك إلى اقتراح آلية سريعة ومستقلة لتلقي تظلمات الجمعيات، وتوحيد المسطرة على الصعيد الوطني عبر دليل ملزم وتكوين الموظفين المكلفين باستقبال الملفات، ونشر بيانات دورية عن عدد ملفات التأسيس والتجديد والوصول المسلمة وحالات التأخير والشكايات ومآلاتها. كما تطالب المذكرة الأحزاب بألا ينتهي اهتمامها بالموضوع مع انتهاء الحملة الانتخابية، بل أن تستخدم الأسئلة البرلمانية واللجان والمهام الاستطلاعية وتقييم السياسات العمومية لمراقبة تطبيق القانون.

دلالة هذه المبادرات تتجاوز وصل الإيداع نفسه، فهي تكشف تطورًا في أدوات المجتمع المدني المغربي، من الاحتجاج على القرار الفردي إلى توثيق الحالات، ومن الاكتفاء بالتظلم الإداري إلى القضاء، ومن الاقتصار على تجميع البيانات العامة إلى صياغة مقترحات تشريعية ورقمية ومؤشرات للقياس، كما تكشف هذه المبادرات أيضًا حدود هذا الترافع. فالجمعيات تستطيع رفع دعوى أو إرسال مذكرة أو تعبئة الرأي العام، لكنها لا تملك وحدها توحيد وتقنين تصرفات آلاف المصالح الإدارية أو ضمان تنفيذ الأحكام بسرعة.

لهذا تبدو المسألة، في جوهرها، أقل ارتباطًا بالصراع بين "الإدارة" و"المجتمع المدني" مما هي مرتبطة بجودة وبمصداقية دولة القانون نفسها، فالجمعيات مطالبة بالشفافية والحكامة واحترام القانون، وهو ما تقره المذكرة صراحة، لكن المنطق نفسه يقتضي أن تخضع الإدارة للآجال والمساطر والتعليل والقواعد المنشورة، فالحرية التي تحتاج كل مرة إلى معركة للحصول على وثيقة تثبتها تبقى حرية منقوصة وغير مستقرة.

وكخلاصة، فإن الجمعيات المبادرة إلى إعداد المذكرة الترافعية حول حرية الجمعيات، تسعى إلى نقل قضية حرية العمل الجمعوي من دائرة الشكاوى المتفرقة إلى صلب النقاش السياسي والمؤسساتي، وذلك من خلال مساءلة الأحزاب وباقي المؤسسات الرسمية بشأن موقفها من ممارسات تعتبرها الجمعيات شططا إداريًا يمس حقًا يكفله الدستور بوضوح. فكما أن السؤال الذي تطرحه هذه المبادرة لا يتعلق فقط بالحصول على وعود انتخابية عابرة، بل بمدى استعداد الأحزاب والمؤسسات، كل من موقعه داخل البرلمان أو الحكومة، للاضطلاع بدورها الدستوري في ضمان احترام القانون وتوحيد الممارسة الإدارية، لأنه في نهاية المطاف، ستظل إحدى أبسط علامات دولة الحق و القانون أن يصبح حصول جمعية مستوفية للشروط القانونية على وصل إيداعها إجراءً إداريًا عاديا وواضحا، لا مسارًا سيزيفيًا يضطر فيه المواطنات والمواطنون إلى البحث عن وسيط، أو شفيع، أو خوض احتجاج، أو اللجوء إلى القضاء من أجل الحصول على حق منحه لهم القانون أصلًا.