من هذا المنطلق. أقول لفاطمة الزهراء المنصوري: هنيئاً لحزب الأصالة والمعاصرة تصدّره نتائج الانتخابات التشريعية. وتهانينا لكِ شخصياً على هذه اللحظة السياسية التي جعلت اسمك في قلب النقاش الوطني حول رئاسة الحكومة المقبلة.
لكن، في السياسة كما في الدستور. هناك فرق كبير بين التهنئة وبين إعلان النتيجة. وبين تصدّر الانتخابات وبين تولي رئاسة الحكومة.
لقد تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026. بحصوله على 97 مقعداً من أصل 395، متقدماً على التجمع الوطني للأحرار الذي حصل على 66 مقعداً. وحزب الاستقلال بـ65 مقعداً. فيما حصل حزب العدالة والتنمية على 54 مقعداً. وبذلك انتقلت الأنظار. مباشرة بعد إعلان النتائج. من صناديق الاقتراع إلى سؤال أكثر حساسية: من سيقود الحكومة المغربية المقبلة؟
وفي قلب هذا السؤال برز اسم فاطمة الزهراء المنصوري. المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة. باعتبارها واحدة من أبرز الأسماء المطروحة في المشهد الجديد.
لكن هل يعني تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة أن المنصوري أصبحت رئيسة للحكومة؟
بالطبع لا.
وهنا بالضبط تبدأ أهمية القراءة الدستورية الهادئة بعيداً عن الحماس الحزبي والتكهنات السياسية.
فالفصل 47 من دستور المملكة ينص على أن الملك يعيّن رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدّر انتخابات أعضاء مجلس النواب. وعلى أساس نتائجها. وهذا يعني أن تصدّر الحزب للانتخابات يضعه في موقع دستوري متقدم لتشكيل الحكومة. لكنه لا يعني أن اسم رئيس الحكومة أصبح محسوماً تلقائياً. ولا أن رئيس الحزب أو منسقه يصبح رئيساً للحكومة بمجرد إعلان النتائج.
والأهم من ذلك أن فاطمة الزهراء المنصوري نفسها كانت واضحة في هذه النقطة. فقد أكدت. عقب تصدّر حزبها الانتخابات. أن قرار تعيين رئيس الحكومة من اختصاص الملك. وأنها ستكون مستعدة لتحمل المسؤولية إذا وقع عليها الاختيار.
وهذه الإشارة ليست تفصيلاً عابراً؟ إنها جوهر المسألة كلها.
فمن الخطأ القول إن المنصوري «تملك الحق الدستوري» في رئاسة الحكومة لمجرد أن حزبها تصدّر الانتخابات. والأدق أن نقول إن الدستور يفتح أمامها الطريق. باعتبارها من قيادات الحزب المتصدر. لكنه لا يحوّل هذا الاحتمال إلى استحقاق شخصي أو تعيين تلقائي.
وهنا يظهر سؤال آخر أكثر إثارة للجدل: هل يوجد في الدستور المغربي ما يمنع امرأة من رئاسة الحكومة؟
الجواب واضح: لا يوجد في الفصل 47 أي شرط يتعلق بكون رئيس الحكومة رجلاً. كما أن الفصل 19 من الدستور يكرس مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والحريات. بما فيها الحقوق السياسية. وينص على سعي الدولة إلى تحقيق مبدأ المناصفة.
وبالتالي. فإن تولي امرأة لرئاسة الحكومة لا يحتاج، من حيث المبدأ، إلى تعديل دستوري خاص يسمح لها بذلك. فالدستور لا يغلق الباب أمام المرأة. وإنما يحدد مسطرة التعيين وشروط ممارسة المسؤولية الحكومية.
ومن هنا. فإن وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى رئاسة الحكومة. إذا وقع. لن يكون خروجاً عن الدستور. بل سيكون ممارسة ممكنة داخل الإطار الدستوري القائم.
لكن المسألة لا تنتهي هنا.
فالمغرب دولة ذات مرجعية إسلامية. والمذهب المالكي يحظى بمكانة دينية ومؤسساتية معروفة داخل المملكة. ولذلك يبرز في مثل هذا النقاش سؤال فقهي لا يمكن تجاهله: هل منصب رئيس الحكومة يدخل في مفهوم «الولاية العامة» التي ناقشها الفقه الإسلامي القديم. أم أنه منصب دستوري حديث لا يمكن مطابقته بصورة آلية مع مفاهيم الإمامة أو الخلافة أو الولاية كما عرفتها الدول الإسلامية القديمة؟
هنا يجب أن نكون أكثر حذراً في إطلاق الأحكام.
فالفقه السياسي الإسلامي نشأ في سياقات تاريخية ومؤسساتية مختلفة جذرياً عن الدولة الدستورية الحديثة. ولذلك فإن نقل أحكام صيغت في إطار الإمامة أو الخلافة القديمة وإسقاطها مباشرة على منصب رئيس الحكومة في الدولة المغربية المعاصرة يحتاج إلى دراسة فقهية ومقاصدية دقيقة. لا إلى مجرد الاستشهاد بعبارة من كتاب فقهي ثم اعتبارها حكماً نهائياً في مسألة دستورية معاصرة.
فرئيس الحكومة في النظام المغربي ليس «خليفة» بالمعنى التاريخي. ولا هو صاحب السيادة الدينية. إنه رئيس سلطة تنفيذية محددة الصلاحيات، تعمل داخل منظومة دستورية ومؤسساتية. في ظل توزيع للاختصاصات بين مؤسسات الدولة.
ولهذا فإن النقاش الحقيقي ليس: «هل تسمح الشريعة للمرأة بالحكم؟» بهذه الصيغة العامة والمختزلة. وإنما: ما طبيعة المنصب الذي نتحدث عنه تحديداً؟ وما حدوده الدستورية؟ وهل الأحكام الفقهية المتعلقة بالإمامة التاريخية تنطبق بالضرورة على وظيفة تنفيذية دستورية حديثة؟
وهذه أسئلة مفتوحة أمام الفقهاء والباحثين في الفكر السياسي الإسلامي. ولا ينبغي أن تتحول إلى شعارات انتخابية.
ثم هناك جانب آخر لا يقل أهمية: هل تستطيع فاطمة الزهراء المنصوري، في حال تعيينها. أن تشكل أغلبية حكومية قادرة على العمل داخل البرلمان؟
فالانتخابات لا تنتج الحكومة بمجرد ترتيب الأحزاب في جدول النتائج. تشكيل الحكومة يحتاج إلى مشاورات وتحالفات وأغلبية برلمانية وبرنامج حكومي. وهي مرحلة سياسية ستأتي بعد تحديد رئيس الحكومة.
وفي هذا السياق. أعلنت المنصوري أن حزب الأصالة والمعاصرة لا يضع. من حيث المبدأ. «خطوطاً حمراء» أمام التحالفات. وأن البرامج ستكون أساس المشاورات المقبلة.
وهذا يعني أن المعركة السياسية الحقيقية لم تنته بإعلان النتائج. وإنما انتقلت إلى مرحلة جديدة أكثر تعقيداً: مرحلة بناء الأغلبية وتحديد ملامح الحكومة المقبلة.
وقد تكون المفارقة السياسية الكبرى أن الحزب الذي كان. خلال الولاية الحكومية المنتهية. شريكاً في حكومة قادها التجمع الوطني للأحرار، يجد نفسه اليوم في موقع الحزب المتصدر الذي تنتظر منه البلاد تشكيل الحكومة المقبلة.
أما فاطمة الزهراء المنصوري. فهي أمام لحظة سياسية مختلفة تماماً عن كل ما سبقها. فإذا وقع عليها الاختيار، فإنها لن تصبح فقط أول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في تاريخ المغرب. بل ستصبح أيضاً أمام اختبار سياسي ومؤسساتي غير مسبوق بالنسبة للمرأة المغربية في أعلى موقع تنفيذي حكومي.
لكن من الضروري ألا نحول هذا الاحتمال إلى حقيقة قبل أوانها.
فالسياسة ليست تمنيات، والدستور ليس قصيدة. والانتخابات ليست إعلاناً مسبقاً عن أسماء المسؤولين.
الانتخابات تحدد موازين القوى داخل البرلمان، والحزب المتصدر يدخل في صلب المسار الدستوري لتشكيل الحكومة، ثم تأتي مرحلة المشاورات وتشكيل الأغلبية، بينما يظل تعيين رئيس الحكومة من الاختصاصات التي يمارسها الملك وفق الدستور.
ولذلك، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: «هل أصبحت فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة؟» فهذا السؤال سابق لأوانه.
السؤال الأدق هو: هل نحن أمام أول فرصة حقيقية لتولي امرأة رئاسة الحكومة المغربية؟
الجواب أن الاحتمال أصبح مطروحاً بقوة في النقاش السياسي بعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة الانتخابات. وأن الدستور لا يضع مانعاً بسبب جنس المرشح. أما القرار نفسه، فلا يزال مرتبطاً بالمسار الدستوري الذي يلي الانتخابات.
ومن هذا المنطلق. يمكن أن تكون تهنئتنا لفاطمة الزهراء المنصوري تهنئة سياسية لا إعلاناً دستورياً: هنيئاً لحزبها بالصدارة، وهنيئاً لها بأن اسمها أصبح مطروحاً في واحدة من أكبر الأسئلة السياسية التي يعرفها المغرب اليوم.
أما رئاسة الحكومة، فلها باب آخر، ومفتاحها ليس في المقالات ولا في الأمنيات، وإنما في الدستور ومؤسساته.
ويبقى السؤال مفتوحاً:
هل يكتب المغرب فصلاً جديداً في تاريخه السياسي. وتجلس امرأة لأول مرة على كرسي رئاسة الحكومة؟
الجواب لم يُكتب بعد.
لكن السؤال نفسه، هذه المرة، لم يعد خيالاً سياسياً.
لقد أصبح سؤالاً دستورياً وسياسياً مطروحاً على أرض الواقع.






