مجتمع وحوداث

لا غالب ولا مغلوب: من التنازع الحدي إلى التنافس الشريف

مصطفى المنوزي (محامي)

ليست المعركة المهنية مجرد تنازع حول قرار: هل يستمر التوقف عن تقديم الخدمات أم يُعلّق؟ فخلف هذا السؤال الظاهر سؤال أعمق يتعلق بكيفية تكوين الإرادة المهنية المشتركة: هل يكفي أن نحصي المواقف حتى نعرف إرادة الجماعة، أم ينبغي الانتقال من الكم العددي للمواقف إلى الكيف النوعي للإرادات؟.


فالعدد يحسم القرار عند الضرورة، لكنه لا يصنع وحده التوافق؛ وقد تنتج الأغلبية قرارًا صحيحًا من الناحية الإجرائية، من دون أن تنتج بالضرورة إرادة جماعية قوية وقابلة للاستمرار، أما التوافق النوعي فينشأ عندما تستطيع المواقف المختلفة أن تتفاعل وتتبادل الحجج، وأن تعدّل بعضها بعضًا، وصولًا إلى صيغة لا يشعر فيها طرف بأنه انتصر على الآخر، ولا بأن قبوله بها هزيمة.


وهنا يكمن الفرق بين منطق الاستقطاب واستراتيجية الاكتساب.

فالاستقطاب يسعى إلى زيادة عدد المؤيدين لهذا الخيار أو ذاك، بينما يسعى الاكتساب إلى توسيع مساحة الاقتناع المشترك. الأول يسأل: مع من تقف؟ والثاني يسأل: ما الذي يمكن أن نبنيه معًا رغم اختلاف مواقعنا؟.


من تجميع المواقف إلى توليف الإرادات :


ليست الإرادة الجماعية حاصل جمع ميكانيكي للإرادات الفردية؛ فقد يكون لدينا خمسون موقفًا مؤيدًا وخمسون معارضًا، فنكون أمام انقسام كمي؛ لكن الحوار قد يسمح بإنتاج خيار ثالث يساهم في استيعاب جوهر الاعتراضين معًا، فننتقل من حساب المواقف إلى تركيب الإرادات ؛ وهذا التحول بالغ الأهمية في المرحلة الحالية؛ لأن الاختلاف حول استمرار التوقف أو تعليقه لا ينبغي أن يتحول إلى معركة لإثبات من كان على صواب ومن كان على خطأ.


فقد يكون في موقف الاستمرار حرص مشروع على عدم تبديد القوة الاحتجاجية، كما قد يكون في موقف التعليق حرص مشروع على عدم استنزاف تلك القوة نفسها ؛ ومن ثم لا تكون المهمة اختيار «المنتصر»، وإنما البحث عن الصيغة التي تحفظ أفضل ما في الموقفين.


لا غالب ولا مغلوب :


حين تصبح الغاية إنتاج إرادة مهنية مشتركة، يفقد منطق الغالب والمغلوب معناه ؛ فإذا قررت المؤسسة الاستمرار، لا ينبغي أن يشعر دعاة التعليق بأنهم هُزموا؛ وإذا تقرر التعليق، لا ينبغي أن يُقدَّم ذلك باعتباره انتصارًا لمن طالبوا به ، لأن الانتصار الحقيقي ليس لموقف على موقف، وإنما لقدرة المهنة على مراجعة وسائلها دون أن تنقسم على غاياتها ؛ وإن التوافق بهذا المعنى ليس تسوية حسابية في منتصف الطريق، ولا توزيعًا للمكاسب الرمزية بين الأطراف، بل هو تحويل نوعي للإرادات المتنافسة إلى إرادة مشتركة أعلى منها ، وهنا يمكن الانتقال من شعار «من انتصر؟» إلى سؤال أكثر نضجًا: ماذا كسبت المهنة من اختلافنا؟.


التنافس الشريف في مواجهة التنازع الحدي :


ينبغي لذلك التمييز بين التنافس الشريف والتنازع الحدي ، لأن التنافس الشريف يفترض تعدد الاجتهادات داخل وحدة الغاية، إذ يقدم كل طرف حججه، ويكشف تقديره للمخاطر والكلفة والبدائل، ويقبل سلفًا بأن حجته قابلة للمراجعة. إنه تنافس على جودة الاقتراح والتعليل والإقناع ؛ أما التنازع الحدي فيحوّل الاختلاف حول الوسيلة إلى اختبار للانتماء: من يطالب بالاستمرار يصبح أكثر صمودًا، ومن يقترح التعليق يصبح أقل مبدئية؛ أو بالعكس، فيوصف الأول بالجمود والثاني بالعقلانية. وفي الحالتين نغادر مجال الحجاج إلى مجال التصنيف والوصم ؛ والحال أن المهنة لا تحتاج إلى انتصار سردية على أخرى، بل إلى تنافس بين البدائل يسمح بتحسين القرار المشترك.


الخيار العمودي والخيار العرضاني :


من هنا يمكن إعادة تعريف العلاقة بين الخيار العمودي والخيار العرضاني ؛ فالخيار العمودي ضروري لاتخاذ القرار: للمؤسسة أجهزة منتخبة، ولها صلاحية الحسم، ولا يمكن أن يتحول كل قرار إلى استفتاء دائم ، لكن الخيار العرضاني ضروري لتكوين مادة القرار نفسه؛ لأنه يسمح للإرادات المختلفة بأن تعبّر عن نفسها قبل أن تتحول إلى أرقام في عملية التصويت ؛ وبذلك لا يصبح العرضاني منافسًا للتمثيلية، وإنما مصدرًا لتحسينها: نستمع إلى المؤيد للاستمرار وإلى الداعي للتعليق، إلى القادر على تحمل الكلفة وإلى من بلغ حدودها، إلى الأصوات المرتفعة وإلى الصامتين أيضًا ، ثم يأتي القرار العمودي في نهاية المسار، لا ليُلغي هذا التعدد، وإنما ليترجمه مؤسسيًا ؛ فالقيادة لا تفقد سلطتها عندما تستمع؛ بل تكتسب معرفة أفضل بالواقع الذي تقوده.


الاختلاف في وضوح أفضل من الاتفاق في غموض :


ومن أهم شروط هذا التحول الاعتراف بأن الاختلاف الواضح أفضل من الاتفاق الغامض؛ فليس كل إجماع دليل قوة. قد يخفي الإجماع الظاهري اختلافات لم تجد لغتها أو فضاء التعبير عنها، وقد يتحول الصمت إلى موافقة مفترضة، ثم تظهر التناقضات عند التنفيذ ؛ أما الاختلاف المعلن والمعلل فيكشف منذ البداية مناطق الاتفاق ومناطق الاعتراض، ويسمح بمعالجة المخاطر قبل أن تتحول إلى أزمات ، ولذلك فالجماعة المهنية المتماسكة ليست الجماعة التي لا تختلف، بل التي تستطيع أن تقول بوضوح:

نختلف هنا، ونتفق هناك، ونحتكم في ما تبقى إلى المؤسسة، مع احتفاظ كل طرف بحقه في النقد والمراجعة ؛ فالوضوح في الاختلاف يبني الثقة، بينما قد ينتج الغموض في الاتفاق هشاشة مؤجلة.


تعليق التوقف: العودة بالشروط لا الرجوع عن الشروط :

ضمن هذه الرؤية ينبغي تحرير النقاش من إحدى أكثر الثنائيات تضليلًا: اعتبار تعليق التوقف رجوعًا عنه؛ فالرجوع المجرد يعني إنهاء الوسيلة من غير ضمانات أو أفق أو شروط واضحة. أما التعليق التوافقي فهو إعادة ترتيب مؤقتة للأداة الاحتجاجية داخل استراتيجية أوسع؛ ولذلك فالصيغة الأدق ليست «العودة أو عدم العودة»، وإنما: العودة بالشروط، لا الرجوع عن الشروط،

أي استئناف تقديم الخدمات مع الحفاظ على جوهر المطالب، وتحديد مدة للتقييم، وضبط مؤشرات الحوار والاستجابة، والإبقاء على إمكانية إعادة تفعيل أدوات الضغط إذا لم تتحقق الشروط المتفق عليها، وعندئذ لا يكون التعليق انتصارًا لدعاته ولا هزيمة لدعاة الاستمرار؛ بل يمكن أن يصبح حصيلة تركيبية للموقفين معًا: يأخذ من الأول ضرورة الحفاظ على الضغط، ومن الثاني ضرورة حماية القدرة على الصمود، ويحوّلهما إلى استراتيجية واحدة تقوم على تعليق مشروط قابل للمراجعة.


من التوافق على القرار إلى التوافق على قواعد مراجعته :

ولعل الأهم ألا نطلب بالضرورة التوافق الكامل على القرار ذاته؛ فقد يكون ذلك متعذرًا. لكن يمكن بلوغ مستوى أعمق وأكثر استدامة وذلك بالتوافق على قواعد اتخاذ القرار ومراجعته.

أي أن نتفق، مهما اختلفت مواقفنا، على الوقائع التي ينبغي قياسها، وعلى مؤشرات نجاح الوسيلة أو استنفادها، وعلى آجال التقييم، وعلى شروط العودة إلى التصعيد، وعلى أن تغير الوقائع يبرر مراجعة القرار دون أن تتحول المراجعة إلى تهمة بالتراجع.


وهنا ينتقل التوافق من كونه لحظة سياسية عابرة إلى منهج في حوكمة الاختلاف.


من أغلبية المواقف إلى أغلبية الحجة :

ليست المشكلة إذن في الأغلبية؛ فهي لازمة للحسم الديمقراطي عندما يتعذر التوافق. المشكلة تبدأ حين نخلط بين قوة العدد وقوة الحجة؛ ويمكن للأغلبية أن تحسم القرار، لكن جودة القرار تتطلب أكثر من ذلك: أن يكون معللًا، وأن تكون البدائل قد نوقشت، وأن تؤخذ الوقائع المتغيرة في الاعتبار، وأن تكون شروط المراجعة معلومة، وبذلك ننتقل من أغلبية تقول: نحن أكثر عددًا، إلى أغلبية تستطيع أن تقول: هذا اختيارنا، وهذه أسبابه، وهذه بدائله، وهذه كلفته، وهذه الوقائع التي إذا تغيرت سنراجع قرارنا، وتلك هي النقلة من الشرعية العددية إلى الجودة التداولية للقرار.


نحو توافق نوعي للإرادات :

إن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة ليس أن يثبت أنصار الاستمرار صحة موقفهم، ولا أن يثبت أنصار التعليق أنهم كانوا أكثر واقعية. فذلك يبقينا داخل منطق المعركة السابقة ، فالرهان هو أن تتحول التعددية المهنية من تنازع على ملكية الحقيقة إلى تنافس في إنتاج الحلول؛ وأن تتحول الأغلبية من أداة لإغلاق النقاش إلى وسيلة للحسم بعد استنفاد إمكانات الإقناع؛ وأن تتحول الأقلية من موقع الاعتراض إلى قوة اقتراح ومراقبة واستدراك ، وعندئذ يصبح الانتقال من الاستقطاب إلى الاكتساب انتقالًا من سؤال: من معنا ومن ضدنا؟.


إلى سؤال: ما المساحة التي نستطيع بناءها معًا؟

ومن التنازع الحدي: إما الاستمرار وإما التراجع ، إلى التنافس الشريف: أي البدائل أقدر على حماية المبدأ وتحقيق الغاية وتقليل الكلفة والمحافظة على القدرة على الفعل؟

وهكذا لا يكون التوافق نهاية للاختلاف، بل ترقية له: من اختلاف الأشخاص والمواقع إلى اختلاف الحجج والبدائل؛ ومن صراع الإرادات إلى تركيبها؛ ومن الكم العددي للمواقف إلى التحول النوعي للإرادة المشتركة.


فالاختلاف في وضوح أفضل من الاتفاق في غموض، والتنافس الشريف أغنى من التنازع الحدي، والتوافق الذي لا ينتج غالبًا ولا مغلوبًا أقوى من انتصار نصف الجماعة على نصفها الآخر.

وفي النهاية، ليست قوة المهنة في أن تقول بصوت واحد ما لم يقتنع به الجميع، وإنما في أن تستطيع، رغم تعدد أصواتها، أن تنتج إرادة مشتركة تعرف لماذا قررت، وإلى أين تريد الذهاب، ومتى تراجع قرارها، وكيف تحافظ في كل ذلك على وحدة الغاية وكرامة الاختلاف ، وذلك في سياق استراتيجيا النضال الديموقراطي .