إذا أصبحت قاعات المحاكم وغرف التحقيق الجنائي هي الفضاء الأكثر حيوية لمتابعة "أخبار" القيادات السياسية، فإن المشهد حينها لا يعكس مجرد أزمة عابرة، بل يؤشر على تحول بنيوي في طبيعة الوظيفة الحزبية.
لم تعد المعضلة في المغرب مرتبطة بضعف منسوب الأيديولوجيا أو تآكل البرامج الانتخابية، بل في كون "السياسة" بمفهومها النضالي والأخلاقي تعرضت لعملية تجريف ممنهجة، ليحل محلها منطق "الشركات الانتخابية" التي تشتري المقاعد لتبيع الحصانة والنفوذ.
هذا الانزلاق جعل الأحزاب الكبرى، سواء من أدار منها دفة الحكومة أو من تموقع في صفوف المعارضة، تقف عارية أمام رأي عام بات ينظر إلى الفعل السياسي بوصفه مرادفا للتربح السريع.
الذكاء الحزبي الذي كان يُقاس سابقا بالقدرة على صياغة التوافقات الكبرى وبناء الكتلة التاريخية صار يُقاس اليوم بالقدرة على حشد "بارونات المال" وضمان الفوز الرقمي، وهو ما أنتج ما يمكن تسميته "انقلاب الأدوات"،،،
فبدل أن يقود الحزب النخبة ويصهرها في بوتقته الفكرية، أصبحت النخب المالية والعقارية المشبوهة هي من تقود الأحزاب وتملي شروطها..، ليست معضلة "ديمقراطية التزكيات" مجرد خلل تنظيمي، بل هي عملية تفخيخ ممنهجة لصناديق الاقتراع، حيث يُحرم المواطن من حق الاختيار الحقيقي ويُجبر على المفاضلة بين أثرياء القوت و صيادي الريع تكتلوا داخل دكاكين خاصة لمنح صكوك العبور نحو المؤسسات التشريعية.
حين تتفجر قضايا عابرة للقارات والحدود، مثل ملف "إسكوبار الصحراء"، أو حين تصبح تقارير المجلس الأعلى للحسابات وثائق إدانة تكشف هدر المال العام المخصص للدراسات والبحوث لفائدة المقربين والعائلات، فإن الصدمة لا تكمن في الجرم ذاته، بل في الغطاء المؤسساتي الذي وفره الحزب لهؤلاء.
لم يعد الفساد هنا سلوكا فرديا منفلتا، بل أضحى نسقا محميا بالشرعية الانتخابية، وهو ما يفسر حالة "الافتراق النفسي" والنفور الجماعي للشباب المغربي من صناديق الاقتراع، فالمواطن الذكي يدرك أن اللعبة تم حسمها مسبقا في الغرف المغلقة حيث تُباع التزكيات وتُشترى الولاءات.
ومع ذلك فإن قراءة هذا المشهد بعين قضائية صرفة تظل قراءة قاصرة،، إذ إن الرهان الحقيقي لا ينتهي عند إيداع الفاسدين السجون أو إسقاط التزكيات عنهم بعد فوات الأوان فقط.
بل إن الهندسة السياسية الحالية في المغرب مطالبة بالانتقال من "المحاسبة البعدية" القائمة على تدبير الفضيحة بعد وقوعها، إلى "الحكامة القبلية" التي تمنع تحول الهيئات الحزبية إلى ملاذات آمنة للملاحقين.. الحصانة الحقيقية التي يحتاجها المغرب اليوم ليست حصانة البرلماني من القضاء، بل حصانة المؤسسات من الاختراق، وحصانة القرار الوطني من الرهان على نخب مهتزة أخلاقيا...
العبور الآمن للمغرب نحو رهاناته الاقتصادية والاستراتيجية الكبرى لا يمكن أن يتم بـ "عجلات سياسية مثقوبة"، فالدولة التي تبني أوراشا عالمية وتطمح لتموقع دولي جديد لا يمكنها الاعتماد على نخب محلية مكبلة بالمساطر القضائية وشبهات تبييض الأموال. الإصلاح لا يحتاج إلى مزيد من القوانين، بل إلى شجاعة سياسية تفك الارتباط التاريخي بين "المال الانتخابي" والوجاهة السياسية، وتعيد الاعتبار للمثقف والمناضل الكفء، لكي لا تظل صناديق الاقتراع آلية لإنتاج الفضائح بدل إنتاج التنمية..






