رأي

بنسعيد الركيبي: الاستحقاق... من المنتخب إلى الحكومة

عندما يعلن الناخب الوطني عن اللائحة النهائية للمنتخب، تبدأ موجة من النقاش حول الأسماء التي حضرت وتلك التي غابت. غير أن هذا الجدل يتراجع تدريجيا أمام حقيقة واحدة تفرضها المباريات، وهي أن المعيار الحقيقي لا يقاس بشهرة اللاعب ولا بحجم الضجيج الذي يرافق اسمه، وإنما بقدرته على خدمة المشروع الجماعي وتحقيق النتيجة. فالمدرب الذي يتحمل مسؤولية تمثيل الوطن لا يخضع لمنطق المجاملة، ولا يسمح له منصبه بتحويل المنتخب إلى فضاء لتصفية الحسابات أو مكافأة هذا اللاعب أو ذاك، لأن تسعين دقيقة فوق أرضية الملعب كفيلة بإسقاط كل الحسابات التي لا تقوم على الكفاءة والاستحقاق.

وهذه الفلسفة في الاختيار تكاد تكون أكثر المجالات التي تحتاجها الحكومات عند تشكيل فرقها الوزارية. فرئيس الحكومة، شأنه شأن الناخب الوطني، لا يبحث عن أفراد يجمعهم الانتماء السياسي فقط، وإنما عن فريق يمتلك القدرة على تنفيذ مشروع حكومي متكامل ويتقاسم الرؤية نفسها، ويستطيع أن يواجه التحديات الإقتصادية والإجتماعية والتعليمية والصحية والإدارية بكفاءة وانسجام. فالوزير لا يدير قطاعا معزولا عن بقية القطاعات، كما أن لاعب الوسط لا يستطيع أن ينجح إذا فقد التواصل مع الدفاع والهجوم، لأن قوة أي فريق تقاس بمدى انسجام مكوناته قبل أن تقاس بقيمة أفراده.

ولهذا السبب يحرص الناخب الوطني على متابعة اللاعبين باستمرار، ويراقب أداءهم داخل أنديتهم، ويقارن بين مستوياتهم، ويستند إلى معطيات دقيقة قبل أن يتخذ قراره. لأن مكانة المنتخب لا تسمح بالمغامرة ولا بالاختيارات العاطفية. ومن المنطقي أن يخضع اختيار الوزراء للصرامة نفسها، لأن القرارات التي يتخذها الوزير تؤثر في ملايين المواطنين، وتنعكس آثارها على الاقتصاد والتعليم والصحة والاستثمار والإدارة، وهي نتائج تمتد سنوات طويلة، بينما تبقى خسارة مباراة في كرة القدم حدثا عابرا مهما كانت مرارته.

إن الحكومة الناجحة لا تبنى على موازين القوى وحدها، وإنما على موازين الكفاءة أيضا. فالتوازنات السياسية تظل ضرورة يفرضها النظام الديمقراطي، غير أن نجاحها يرتبط بقدرتها على تقديم أفضل الكفاءات القادرة على تحويل البرنامج الحكومي إلى إنجازات ملموسة. لذلك يصبح من المشروع أن يخضع كل مرشح لتحمل المسؤولية الوزارية لتقييم دقيق يشمل خبرته، وقدرته على القيادة، وكفاءته في التدبير، ومهاراته في التواصل، واستعداده للعمل داخل فريق، تماما كما يخضع اللاعب لسلسلة من الاختبارات قبل أن يرتدي القميص الوطني.

وقد أثبتت التجربة الرياضية المغربية أن حسن الاختيار يختصر نصف طريق النجاح. فالمدرب الذي يملك الشجاعة لاستبعاد اسم كبير عندما يتراجع عطاؤه، ويمنح الفرصة لاسم جديد عندما يثبت جدارته، يؤسس لثقافة قوامها الاستحقاق، وهي الثقافة نفسها التي تحتاجها الإدارة العمومية والمؤسسات المنتخبة. فالمسؤولية العامة لا تكتسب بالشهرة ولا بالأقدمية ولا بالقرب من مراكز القرار، وإنما بالقدرة على الإنجاز وتحمل المسؤولية وتحقيق النتائج.

وحين يصبح اختيار الوزراء محكوما بالمعايير نفسها التي يعتمدها الناخب الوطني في اختيار لاعبيه، سيتحول مجلس الحكومة إلى فريق عمل حقيقي، يعرف كل عضو فيه موقعه، ويدرك حدود مسؤوليته، ويعمل من أجل هدف واحد هو نجاح الوطن. عندها لن ينشغل الرأي العام كثيرا بالأسماء بقدر ما سينشغل بما تحققه من نتائج، لأن الإنجاز في السياسة كما في الرياضة، يظل اللغة الوحيدة التي تحسم كل النقاشات، وتمنح الثقة للمواطن وتؤكد أن حسن اختيار الرجال هو البداية الطبيعية لكل نجاح كبير.