قولكم إن المغرب “ليس ملزما بالرد على المقررة الأممية المعنية باستقلال القضاة والمحامين، وله سيادة تشريعية” لا ينسجم مع المكانة التي يفترض أن يحتلها وزير العدل في دولة دستورية تجعل من سيادة القانون واحترام الالتزامات الدولية أحد مرتكزاتها الأساسية.
فلا أحد ينازع المغرب في سيادته التشريعية، لكن السيادة ليست مفهوما يرفع كلما وُجهت ملاحظات أو انتقادات دولية. فالسيادة تعني أن يشرع المغرب قوانينه بإرادته الحرة، لكنها تعني أيضا أن يفي بالتزاماته الدولية التي ارتضاها بنفس الإرادة، وأن ينخرط في الحوار مع الآليات الأممية التي اختار التعاون معها.
والمفارقة أنكم، بصفتكم وزيرا للعدل، كان يفترض أن تبادروا إلى تقديم جواب قانوني مفصل يدافع عن مشروعكم التشريعي إن كنتم مقتنعين بسلامته، لا أن توحوا بأن مجرد الرد يمس السيادة الوطنية. فالدول الواثقة من قوانينها لا تخشى النقاش، ولا تعتبر الحوار مع الأمم المتحدة انتقاصا من استقلال قرارها.
إن وظيفة وزير العدل ليست فقط الدفاع عن مشاريع القوانين، وإنما أيضا حماية صورة العدالة المغربية أمام المنتظم الدولي، وترسيخ الثقة في مؤسسات الدولة. أما الاكتفاء برفع شعار “السيادة التشريعية” دون مناقشة جوهر الانتقادات المثارة، فإنه لا يجيب عن الأسئلة الجوهرية التي طرحتها المقررة الأممية بشأن استقلال المحاماة وضمانات المحاكمة العادلة.
ثم إن دستور المملكة لم يجعل السيادة في مواجهة الالتزامات الدولية، بل حرص على تحقيق الانسجام بينهما. ولذلك فإن تقديم التعاون مع آليات الأمم المتحدة وكأنه تنازل عن السيادة، هو تبسيط مخل لمفهوم دستوري وقانوني بالغ الأهمية.
والسؤال الذي يفرض نفسه هو: إذا كان مشروع القانون سليما ومتوافقا مع الدستور والمعايير الدولية، فلماذا الخشية من الرد؟ ولماذا لا تستثمر الوزارة هذه المناسبة لتفنيد الملاحظات بالحجة القانونية وإقناع الرأي العام الوطني والدولي بعدالة اختياراتها؟
إن المغرب راكم، على امتداد سنوات، رصيدا مهما في التعاون مع منظومة الأمم المتحدة، وكان هذا الانفتاح أحد عناصر قوته الدبلوماسية والحقوقية. لذلك فإن تصريحات من هذا القبيل لا تخدم هذا الرصيد، بل تمنح الانطباع بأن الوزارة تفضل الهروب من النقاش بدل خوضه.
أما المحاماة، فهي ليست قطاعا مهنيا عاديا حتى يختزل النقاش حولها في صراع مع فئة معينة. إنها أحد الأركان الأساسية للعدالة، واستقلالها ضمانة دستورية للمواطن قبل أن يكون امتيازا للمحامي. وكل تشريع يمس هذا الاستقلال يستحق نقاشا وطنيا ودوليا هادئا، بعيدا عن الشعارات السياسية.
إن قوة الدول لا تقاس بامتناعها عن الرد، وإنما بقدرتها على الدفاع عن تشريعاتها بالدستور، وبالقانون، وبالمنطق، وبالانفتاح على الحوار. أما تحويل “السيادة” إلى درع لرفض أي مساءلة أو نقاش، فهو يضعف الحجة القانونية أكثر مما يقويها، ولا يخدم صورة المغرب كدولة اختارت، بإرادتها الحرة، أن تجعل من دولة الحق والقانون خيارا استراتيجيا لا رجعة فيه.






