لم يعد السؤال اليوم هو ما إذا كان القانون قد انتصر، بل كيف انتصر، وفي أي اتجاه، ولصالح من. فالإعلان عن انتصار القانون لا يكفي، ما لم يقترن بانتصار روح التشريع، وسيادة الدستور، وصيانة الحقوق والحريات، وتعزيز الثقة في المؤسسات. لذلك، قبل الاحتفاء بصدور أي قانون، يجدر أن نسأل: في أي سياق سياسي ودستوري ومجتمعي تحقق هذا الانتصار؟ وهل يخدم المصلحة العامة أم يعكس فقط موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية؟
لقد أفرزت المرحلة الراهنة ما يمكن تسميته بـ "التشريع الإذعاني"، وهو نمط من إنتاج القوانين يتراجع فيه منطق التعاقد الدستوري والحوار العمومي أمام منطق الإكراهات السياسية أو الأمنية أو الاقتصادية. وفي ظل هذا النمط، يتحول القانون من أداة لتنظيم الحقوق وتوسيعها إلى وسيلة لإعادة توزيع القوة، وإعادة تشكيل المجال العمومي، وإنتاج شرعية جديدة للسلطة، ولو كان ذلك على حساب بعض الضمانات الدستورية أو المكتسبات الحقوقية والمهنية.
ولا يتعلق الأمر بالطعن في شرعية المؤسسات الدستورية أو في اختصاصات البرلمان، وإنما بالتنبيه إلى أن جودة التشريع لا تقاس بسرعة إنتاجه أو بقدرة الأغلبية على تمريره، وإنما بمدى احترامه للدستور، ولمبادئ الحكامة التشريعية، ولمقتضيات المشاركة والإنصات والحوار العمومي. فالتشريع الذي يفقد روحه التشاركية قد يحتفظ بمشروعيته الشكلية، لكنه يظل معرضاً لفقدان شرعيته المجتمعية.
وهنا يبرز الفرق بين انتصار القانون ونجاح التشريع. فقد ينتصر القانون من الناحية الإجرائية، لأن الأغلبية صادقت عليه وفق المساطر الدستورية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة نجاحه في تحقيق العدالة أو الأمن القانوني أو الاستقرار المجتمعي. فالنجاح الحقيقي يقاس بقدرته على حماية الحقوق، واحترام مبدأ المساواة، وضمان الأمن القانوني والقضائي، وتحقيق المصلحة العامة دون تعسف أو تراجع عن الضمانات المكتسبة.
ولذلك يظل من المشروع أن نتساءل: لفائدة من تحققت المشروعية؟ ولأي غاية تجسدت الشرعية؟ وهل انتصر القانون باعتباره قواعد عامة ومجردة تحقق العدالة، أم انتصرت فقط إرادة الأغلبية في فرض تصورها؟ ثم هل يخلو النص من هفوات دستورية أو من مقتضيات تستوجب المراجعة أو الرقابة القضائية الدستورية؟
إن هذه الأسئلة لا تعبر عن رفض لمبدأ سيادة القانون، بل تؤكد الإيمان به. وهي دعوة إلى الارتقاء بالنقاش من الاحتفاء الشكلي بصدور النصوص إلى تقييم آثارها الدستورية والحقوقية والاجتماعية، لأن القانون لا يكتمل بمجرد نشره في الجريدة الرسمية، وإنما يكتمل عندما يكتسب مشروعيته المجتمعية، ويبرهن في التطبيق على أنه أداة لتحقيق العدالة لا مجرد وسيلة لحسم موازين القوة.
وفي هذا السياق، تبدو خطورة التشريع الإذعاني في كونه لا يقتصر على إنتاج نصوص قانونية مثيرة للجدل، بل يؤسس تدريجياً لسردية جديدة تجعل الضرورة السياسية أو الأمنية أو الاقتصادية مبرراً دائماً لإعادة هندسة الحقوق وإعادة تعريف حدود المجال العمومي. وهكذا يصبح الاستثناء قاعدة، وتغدو النجاعة الإدارية أو المالية مقدمة على مقتضيات المشاركة الديمقراطية، بينما تتراجع أدوار المؤسسات الوسيطة والهيئات المهنية في صناعة التشريع.
ومن منظور التفكير النقدي التوقعي، فإن مواجهة هذا المنحى لا تكون بالانفعال ولا برفض المؤسسات، وإنما بالدفاع عن حكامة تشريعية حقيقية، وعن عقلنة برلمانية تجعل البرلمان فضاءً للنقاش العمومي الرصين، لا مجرد غرفة للتصديق على مشاريع جاهزة. كما تقتضي حماية الوظيفة الدستورية للهيئات المهنية والمدنية باعتبارها شريكاً في إنتاج السياسات العمومية، لا مجرد طرف يُستشار عند الاقتضاء.
إن العملية التشريعية ليست معركة عسكرية، ولا حرباً تُقاس بمن انتصر ومن انهزم، وإنما هي حوار معرفي ودستوري متخصص، شاءت الديمقراطية التمثيلية أن يضطلع به نواب ومستشارون أفرزتهم خريطة سياسية وتقطيع انتخابي وسياقات تدبيرية معقدة. ولذلك فإن مسؤوليتهم لا تقتصر على التصويت، بل تمتد إلى صيانة الثقة في المؤسسة التشريعية، وضمان أن يكون القانون تعبيراً عن الإرادة العامة، لا عن موازين القوة الظرفية.
إن الوطن لا ينتصر بمجرد صدور القوانين، بل ينتصر عندما تتحول القوانين إلى ضمانات للحرية والكرامة والعدالة، وعندما يصبح التشريع أداة لبناء الثقة لا لإعادة إنتاج الريبة، ولتوسيع الحقوق لا لتقييدها، ولترسيخ دولة الحق والقانون لا لإضفاء المشروعية على منطق الإذعان. ومن هنا فإن الرهان الحقيقي ليس الدفاع عن قانون أو الاعتراض عليه، وإنما الدفاع عن فلسفة تشريعية تجعل من القانون تعبيراً عن تعاقد وطني حر، لا مجرد استجابة لإكراهات المرحلة أو موازين القوى العابرة.






