فن وإعلام

بين "حلم الصحافة" و"فوضى الادعاء".. حين تفقد المهنة بوصلتها (الجزء الأول)

عتيقة الموساوي​
​في بداياتي، حين لم أكن قد تجاوزت بعد عتبة العشرين، كان شغفي بمهنة المتاعب أكبر من عمري. كنتُ أتنقل بين مقرات الجرائد الوطنية، لا أبحث عن "الشهرة" الزائفة ولا عن "الغنيمة الجماهيرية" السريعة، بل كنتُ أبحث عن شيء واحد التكوين، أتذكر جيداً كيف كنتُ أترك مقاعد الدراسة لأطرق أبواب المعرفة في مكاتب جريدة "الشرق الأوسط" ومجلة "سيدتي". وفي إحدى تلك المحطات الفارقة، طرحت عليّ مديرة المجلة "هادية سعيد" سؤالاً كان بمثابة صفعة أيقظتني من غيبوبة الحلم السطحي: " هل تودين أن تكوني صحفية كبيرة، أم تبقين صغيرة؟". 

​كانت تلك الكلمات هي "نقطة الاستفاقة". أدركتُ حينها أن الصحافة ليست مجرد "مقالات" ننمقها أو "مقاطع" نثير بها الجدل، بل هي مسار أكاديمي شاق، وتكوين قانوني رصين، والتزام أخلاقي صارم. ورغم أن أقداري قادتني لاحقاً إلى عدم ولوج ما كان يسمى أنداك" المعهد العالي للصحافة"، الذي هو معهد الإتصال اليوم ، لأسباب غيرت المسار الى مدرجات كلية الحقوق، تلك الأسباب كان أولها تغيير في شروط الولوج من توفر على شهادة الباكالوريا إلى التوفر على الإجازة وهو ما شكل لي صدمة حينها ومرارة، إلا أن ذلك الشغف لم يخبُ يوماً، وظل الاحترام العميق للمسار والتدرج هو المحرك لكل حرف أخطه اليوم.

​واليوم، وأنا أراقب ما يموج به الفضاء الرقمي المغربي، والجدل الواسع الذي أثارته واقعة امتحانات البكالوريا الأخير ومتابعة أحد الوجوه الرقمية المعروفة بصفة "مدير جريدة"، لا أشعر بالشماتة، بل تملؤني "غصة" عميقة. فالمسألة هنا تتجاوز الأشخاص والزلات الفردية لتعري مأزقاً بنيوياً أخطر: إننا أمام مشهد مشوه تآكلت فيه الحدود المهنية، وبات يُصنف فيه الفاعل الإعلامي بناءً على عدد المتابعين والخوارزميات، لا بناءً على مساره المهني أو مؤهلاته الأكاديمية.

​إن التناقض الصارخ الذي يلمسه الرأي العام اليوم—بين ادعاء قيادة منابر إعلامية وصناعة الوعي العام، وبين السقوط في ممارسات تضرب قيم الانضباط العلمي والنزاهة كالغش في الامتحانات—هو التجسيد الأسمى لما يمكن تسميته بـ "أزمة النموذج" و"فخ الصورة مقابل الحقيقة". فعندما يغيب التكوين وتتوارى المؤسسة المؤطرة، يصبح الفضاء العام مستباحاً، ونهباً لمن يملك "القدرة على الإثارة والضجيج" لا لمن يملك "القدرة على التفكير والتحليل".

​المشكلة الحقيقية لا تكمن في غياب الشهادة بحد ذاته فطلب العلم لا عمر له، بل في "ازدواجية الصورة" التي صدمت الجمهور، حيث ظهرت هوة سحيقة بين الألقاب والصفات المهنية الضخمة التي يتم تصديرها افتراضياً، وبين الواقع السلوكي والأكاديمي على أرض الواقع. هذا التضخم الرقمي يساهم، مع الأسف، في تبخيس قيمة العمل الصحفي الحقيقي، ويجعل المتلقي يعمم أحكامه السلبية على مهنة كانت يوماً تُسمى "السلطة الرابعة".

​إنني أكتب اليوم من منطلق الإيمان بأن الصحافة أمانة بقدسيتها الأولى. ومن يحمل هذه الأمانة، لا بد أن يمر عبر بوابة العلم، والمسؤولية، والتحصيل، لا عبر بوابة "القفز على المراحل" واصطناع الهالات. هذا النقاش المجتمعي الصاخب يجب أن يكون " جرس إنذار" يعيد قطار الإعلام الرقمي إلى سكته الصحيحة.

​هذه الحلقة كانت مجرد تشخيص أولي وتفكيك لبنية هذا المأزق الذي نعيشه.. وهو ما سنغوص بعمق أكبر في دراسة آليات هذا المشهد، ونناقش كيف تركت المؤسسات المهنية الساحة فارغة، وكيف يمكن للأقلام الجادة والملتزمة أن تستعيد " الغنيمة الجماهيرية" وتصحح المسار.

يتبع في الجزء القادم