فن وإعلام

حين تتحول الإشاعة إلى سلطة: الأخبار الزائفة.. الوجه المظلم للثورة الرقمية

حسن اليوسفي المغاري (صحافي شرفي)

في زمن كانت فيه الحقيقة تُنتَزع بصعوبة من بين ركام الرقابة والتعتيم، كان الكذب يحتاج إلى جهاز دعائي كامل كي يفرض نفسه على الرأي العام. أما اليوم، وفي قلب الثورة الرقمية، فقد أصبح الزيف أكثر خفة وسرعة وقدرة على التغلغل من الحقيقة نفسها. لم تعد الأخبار الزائفة مجرد أخطاء مهنية أو انحرافات معزولة في الممارسة الإعلامية، بل تحولت إلى بنية موازية لإنتاج “الواقع”، وإلى صناعة عابرة للحدود تستثمر في الخوف والغضب والانقسام، وتعيد تشكيل وعي الأفراد والجماعات وفق منطق الفوضى المعلوماتية.

لقد دخل العالم مرحلة “التلوث المعلوماتي الشامل”، حيث لم يعد الخطر كامنا فقط في نشر الأكاذيب، بل في إغراق الفضاء العمومي بكمّ هائل من المعطيات المتناقضة التي تُفقد المواطن القدرة على التمييز والحكم والاختيار. وحين تصبح الحقيقة نفسها محل شك دائم، تنهار المرجعيات المشتركة التي تقوم عليها الدولة الحديثة، وتتآكل الثقة في المؤسسات، ويتحوّل النقاش العمومي إلى ساحة مفتوحة للانفعال والتحريض والعدمية.

في المغرب، كما في بقية دول العالم، لم تعد ظاهرة الأخبار الزائفة شأنا افتراضيا معزولا عن الواقع. لقد أصبحت تؤثر مباشرة في الأمن الاجتماعي، وفي صورة المؤسسات، وفي سير العدالة، وفي الصحة العامة، بل وحتى في الاستقرار الاقتصادي والسياسي. يكفي أن تنتشر إشاعة رقمية حول قضية جنائية أو أزمة صحية أو قرار رسمي حتى يتحول الفضاء الرقمي إلى محكمة موازية تُصدر أحكامها بلا قانون، وتُنفّذ عقوباتها بالتشهير والاغتيال الرمزي والتجييش الجماعي.

غير أن خطورة المرحلة الراهنة لا تكمن فقط في اتساع الظاهرة، بل في الطفرة التقنية التي باتت تغذيها. فالذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة في إنتاج المحتوى، بل أصبح قادرا على تصنيع الأكاذيب بدرجات عالية من الإقناع البصري والصوتي.. نحن أمام عصر “التزييف العميق”، حيث يمكن خلق تصريحات وهمية، وصور مزيفة، ومقاطع فيديو مفبركة، تبدو للمتلقي أكثر واقعية من الحقيقة نفسها. هنا، يصبح الكذب صناعة تقنية متقدمة، لا مجرد ممارسة دعائية تقليدية.

تشريعيا، لا يمكن القول إن المشرّع المغربي يقف في حالة فراغ مطلق أمام الظاهرة. فالقانون الجنائي، وقانون الصحافة والنشر، وعدد من النصوص المرتبطة بالجريمة الإلكترونية، تتضمن مقتضيات تسمح بمتابعة بعض أشكال التضليل ونشر المعطيات الكاذبة. غير أن الإشكال الحقيقي يكمن في غياب إطار قانوني دقيق ومتوازن يعرّف الأخبار الزائفة تعريفا صارما يمنع توظيف المفهوم بشكل فضفاض قد يهدد حرية التعبير والصحافة. فالدولة الديمقراطية مطالبة بحماية المجتمع من التضليل، لكنها مطالبة أيضا بحماية الحق في النقد والرأي والمعارضة. وبين الضرورتين، يظل التحدي التشريعي قائما: كيف نحارب الكذب دون أن نفتح الباب أمام تجريم الحقيقة المزعجة؟

أما قضائيا، فقد كشفت التجربة المغربية خلال السنوات الأخيرة عن تنامي القضايا المرتبطة بالتشهير الرقمي، ونشر المعطيات الكاذبة، والتحريض عبر المنصات الاجتماعية. لكن الواقع يؤكد أيضا أن القضاء يجد نفسه أمام فضاء رقمي شديد التعقيد، سريع التحول، عابر للحدود، يصعب فيه أحيانا تحديد الفاعل الأصلي أو إثبات النية الجنائية أو موازنة الحق في التعبير مع مقتضيات حماية النظام العام وحقوق الأفراد. كما أن سرعة انتشار الأخبار الزائفة تجعل أثرها الاجتماعي يحدث غالبا قبل أن يصل الملف إلى المحكمة، ما يطرح سؤال النجاعة الزمنية للعدالة التقليدية أمام الجرائم الرقمية الفورية.

غير أن المعركة الحقيقية ضد الأخبار الزائفة لا يمكن أن تكون قانونية وقضائية فقط. إنها، قبل كل شيء، معركة مهنية وأخلاقية وثقافية. وهنا تبرز المسؤولية التاريخية للصحافي المهني. ففي زمن اختلطت فيه الصفة الصحافية بالمؤثر الرقمي والناشط الافتراضي وصانع المحتوى والمواطن الصحفي، يصبح الصحافي المهني أكثر من مجرد ناقل للأخبار؛ يصبح حارسا للحقيقة، ومدافعا عن المعنى، وفاعلا مركزيا في حماية الفضاء العمومي من الانهيار.

لقد ساهمت بعض الممارسات الإعلامية نفسها، للأسف، في تكريس الأزمة، حين خضعت قطاعات من الإعلام لمنطق السبق والفرجة والبحث المحموم عن التفاعل الرقمي، على حساب التحقق والتدقيق والأخلاقيات المهنية. والنتيجة أن بعض المنابر تحولت، بوعي أو بدونه، إلى جزء من اقتصاد التضليل القائم على الإثارة والتجييش والاستقطاب.

إن الصحافة المهنية اليوم أمام امتحان وجودي حقيقي: إما أن تستعيد دورها كسلطة للتحقق والتفسير والتنوير، أو أن تترك المجال مفتوحا أمام جيوش الخوارزميات وصناع الأكاذيب وتجار الانفعال الجماعي. فالمعركة ضد الأخبار الزائفة ليست دفاعا عن “الحقيقة” فقط، بل دفاع عن المجتمع نفسه، وعن حق المواطن في معرفة قائمة على الوقائع لا على الأوهام، وعن ديمقراطية لا تُقاد بالخوف والإشاعة والتلاعب.

لقد أصبح السؤال أكثر إلحاحا من أي وقت مضى: من يحمي الحقيقة في عصر يمكن فيه للكذب أن يُنتَج بضغطة زر، ويُوزَّع في ثوان، ويُصدَّق على نطاق جماعي؟