نجح وزير الأوقاف حتى الآن في تحقيق قدر من الحياد لمساجد المغرب ضد التيارات الإيديولوجية التي تسعى لاتخاذ تلك المنابر حلبات للملاكمة الإيديولوجية، وللتهجم على خصومهم السياسيين ومخالفيهم في الرأي، أحد هؤلاء ما زال يحاول من على منبر المسجد، الذي هو ملك للدولة، أن يتهجم على مثقفين وفاعلين مدنيين يخوضون النقاش العمومي في قضايا الساعة، وهو بذلك يسعى إلى التحريض عليهم عوض المشاركة في النقاش على وسائل الإعلام أو شبكات التواصل الاجتماعي، وهذا سلوك الجبناء الذين تعوزهم قوة الحجة، فيلجأون إلى استغلال منابر يحتكرونها ولا يمكن الرد عليهم فيها.
ولي قصة مع هذا الشخص بالذات، تجعلنا نفهم سبب الاحتقان النفسي الذي يستولي عليه، فقبل سنوات دعوت بوضوح إلى حذف مضامين دراسية غير بيداغوحية وتتعارض مع التزامات الدولة المغربية ومرجعياتها السياسية والقانونية، ومنها "تفسير الفاتحة" الذي يتم استغلاله لتربية أطفال في السادسة من عمرهم على كراهية اليهود والنصارى، من خلال تفسير الفاتحة بالقول "المغضوب عليهم هم اليهود، والضالون هم النصارى".
وقد هاجمني تيار الغلو في الدين آنذاك ومنهم الشخص المذكور الذي خاطبني قائلا:"يا حشرة، ألا تعلم أن الرسول هو من فسر الفاتحة بذلك التفسير ؟" وهكذا لم يكتف الشخص المذكور بالتعبير عن سوء أخلاقه، بل أقحم الرسول في الموضوع بأن نسب إليه خبرا ملفقا لا دليل علمي لديه على صحته (شأن الكثير من الأخبار التي تم تدوينها بعد قرنين من وفاة الرسول). اتصل بي مواطنون يطالبونني برفع دعوى قضائية بالشخص المذكور بسبب القذف والتحريض الشنيع، لكنني كعادتي اعتبرت أن أفضل رد سيأتي من الزمن والواقع، وفعلا ذلك ما حدث بالضبط، فلم تمر إلا فترة وجيزة حتى قام الملك محمد السادس بإلقاء خطاب ملكي حول التطرف في مقررات التربية الدينية سنة 2016، داعيا إلى مراجعتها وحذف كل المضامين غير التربوية، وكلف بذلك لجنة ملكية على رأسها السيد أحمد عبادي رئيس "الرابطة المحمدية للعلماء"، وكانت النتيجة اختفاء المضامين التي سبق لي التنبيه إليها ونقدها، ومنها تفسير الفاتحة المذكور، لأنها كانت مضامين مدسوسة وغير مقبولة بجميع المعايير. عندئذ فقط طالبت الشخص المتهور بالرد على الدولة فيما اتخذته من مواقف، لكنه بلع لسانه واختفى من الساحة، ولم نسمع به إلى أن ظهر مجددا هذه الأيام ليسب ويشتم من جديد من فوق المنبر، مستغلا المسجد الذي هو تحت إشراف وزارة الأوقاف.
إن الجبناء لا يستطيعون مواجهة الفكر بالفكر، لأنهم يعانون من هشاشة التكوين وضعف الحجة، ولكنهم يرمونك بالحجر من وراء حجاب، غير أن الحجر يرتد عليهم دائما.






