عمد صاحب مطعم بالدار البيضاء إلى تسمية مشروعه التجاري أطايب النعم، مختزلا دون قصد دلالات مصطلح عقدي وقيمي ثقيل في محل وجبات وأطباق مشوية، ومجسدا بذلك عملية تسطيح مفاهيمي تعكس انتقال العقل الجمعي من منظومة القيم العليا إلى منظومة الهضم، حيث باتت النعمة في العرف الاستهلاكي الراهن مرادفة للملذات الحسية المباشرة، متجاوزة المفهوم الشرعي الذي أسس له علماء السلوك ومقاصد الشريعة، والذي يعتبر الطعام مجرد وسيلة وقود للجسد ليمارس وظيفة الاستخلاف، لا غاية وجودية تدور حولها يوميات الفرد.
ترصد المؤشرات الاقتصادية وسلوك الأسر مع دخول شهر رجب واقتراب رمضان حالة استنفار تجاري تتكرر كل سنة، لا تمت بصلة للاستعداد الروحي، إذ تعكف اللوبيات التجارية والمحتكرون على تكديس السلع الغذائية استعدادا لموسم ذروة الاستهلاك، في تناقض واضح مع فلسفة الصيام التي تقوم على الكف والتقليل، وتتحول الشعيرة التعبدية إلى كرنفال للموائد، وهو ما حذر منه حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في كتاب كسر الشهوتين، حين اعتبر أن الانكباب على المأكول يقسي القلب ويذهب بنور الحكمة، محولا الشهر الفضيل من محطة للتزكية إلى شهر للتخمة وهدر الموارد المالية.
يوثق التاريخ الإسلامي وسير الأعلام تعامل السلف مع الطعام بمنطق الضرورة البيولوجية، حيث كان سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقرع من يرى في يده لحما كلما اشتهى، معتبرا ذلك من علامات الإسراف المذموم الذي يذهب طيبات الحياة الدنيا قبل الآخرة، بينما يشهد الواقع الحالي انحرافا معياريا جعل من استهلاك اللحوم والسكريات مؤشرا للرفاه الاجتماعي، متجاهلين التحذيرات الطبية والشرعية، ليصبح الجسد المتخم عبئا على الروح، ويعجز الفرد عن أداء التراويح والقيام بسبب الثقل الناتج عن سوء فهم أطايب النعم وحصرها في البطن.
يحدد ابن القيم الجوزية في مدارج السالكين مفهوم النعمة الحقيقية بأنها ما أوصل إلى المطلوب، والمطلوب هنا هو رضى الله ومعرفته، فتكون أطايب النعم هي لذة المناجاة وحلاوة الإيمان التي تفوق لذة الطعام والشراب، وهي الرضى بالقضاء والقدر الذي يجعل المؤمن في حالة سكون نفسي أمام تقلبات الدهر، خيرا كانت أو شرا، وهذه المرتبة من النعيم المعجل لا تباع في المطاعم ولا توزن بمقاييس السعرات الحرارية، بل هي نتاج مجاهدة النفس وترويضها عن الشهوات الفانية.
تتجاوز أطايب النعم المفهوم المادي لتشمل البنية الاجتماعية الصلبة المتمثلة في الأسرة القائمة على الميثاق الغليظ، فالزوج الصالح والزوجة الصالحة والأبناء البررة يشكلون الرصيد الحقيقي للإنسان، حيث يعتبر الاستقرار الأسري وفقا للمنظور الشرعي قاعدة الانطلاق نحو عمارة الأرض، وتعد صلة الأرحام استثمارا استراتيجيا في العمر والرزق بنص الأثر النبوي، وهي نعم لا تدرك قيمتها إلا عند فقدها أو تعويضها بعلاقات نفعية هشة تفكك النسيج المجتمعي.
تندرج الصحة البدنية ضمن أعلى مراتب النعم حين توظف في طاعة الله، فالجسد المعافى هو الأداة التنفيذية لإقامة الصلاة والسعي في حوائج الناس، وتتحول العافية إلى حجة على صاحبها إن لم تستثمر في الطاعات، وكذلك المال الذي يعد نعمة مقيدة بشرط إنفاقه في وجوه الخير والحلال، لا في المباهاة وتكديس الأرصدة، ليبقى المفهوم الشامل لأطايب النعم هو كل ما يقرب العبد من ربه ويصلح حاله في الدنيا والآخرة.
يتحمل الخطاب الديني والإعلامي والتربوي مسؤولية تصحيح هذه المفاهيم المغلوطة التي سمحت للثقافة الرأسمالية باختطاف المصطلح الشرعي وتفريغه من محتواه، وتحويل الإنسان إلى مجرد كائن مستهلك يختزل وجوده في تلبية نداء المعدة، غافلا عن غذاء الروح ومتطلبات الاستخلاف الحقيقي التي هي جوهر النعم وأطيبها.






