رأي

حنان رحاب: الاشتراكيون الديموقراطيون والمساواة

يزعم الكثيرون أن العالم قد استقر اليوم على نفي التناقضات الإيديولوجية والمذهبية، ونبذ الاختلافات بين التوجهات الحزبية حول قضايا معينة، التي صارت لا تتجاوز الاختلاف في نقط تدبيرية، ضمن الحيز الذي تسمح به الديموقراطية التمثيلية، التي هي إفراز للنظام الليبيرالي واقتصاد السوق.

وإذا كنا في الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية قد نبهنا مبكرا إلى الأفق المسدود لكل أشكال الدوغمائية الإيديولوجية، ودعونا إلى التأسيس لمشروع اشتراكي وطني يبني تجربته الخاصة، وفق تحليل ملموس لواقع ملموس يسمح به المجال المغربي، بما هو محصلة لتاريخ وممارسات وقيم وأشكال من التنظيم وتراكمات ثقافية واجتماعية واقتصادية، فإننا في الوقت نفسه قد نبهنا إلى مخاطر محو التناقضات الإيديولوجية والمذهبية، ولم ننسق وراء الموجة الخادعة التي تقول بالنهايات: نهاية الإيديولوجيا، ونهاية التاريخ..

     ومن هذا المنطلق، فإننا يجب أن نكون صريحين في مقاربتنا لقضايا المساواة والتحرر والمناصفة، وهذه الصراحة تقتضي القول إننا نصدر من مرجعية تزاوج بين انتمائنا الأممي إلى مشاريع الديموقراطية الاجتماعية، والاجتهادات الدينية المعاصرة التي تنطلق من فقه المقاصد باعتباره تمرينا حضاريا وثوريا للملاءمة بين سماحة الإسلام والتطورات القيمية والتدبيرية الكونية.    

 وبالتالي، فإننا حين نترافع من أجل مدونة للأسرة منصفة وعادلة، وحين نطالب بتعديلات في القانون الجنائي ليتلاءم مع المرجعية الكونية الحقوقية التي تحمي الحريات الجماعية والفردية، فإننا، في الوقت نفسه، لا ننفصل عن نضالات كل نساء العالم من أجل عالم أفضل، يؤمن العيش الكريم لكل الشعوب.

ولذلك فإن نضالاتنا، باعتبارنا ديموقراطيين/ات اجتماعيين/ات، لا تسعى فقط إلى تحسين وضع النساء، فالتمكين السياسي والاقتصادي لهن لا يمثل في مشروعنا سوى وسيلة لبلوغ المساواة الكاملة، أما الاكتفاء بتحسين أوضاع النساء ضمن نسق  ذكوري، فلن يعمل سوى على إدامة قهر النساء، ولكن بواجهات جديدة تدعي العناية بهن، في وقت يتم فيه شحذ سكاكين الخصوصية المفترى عليها لابتداع أنماط وأشكال جديدة من اللامساواة.

لكننا إذا كنا نرفض التأويلات السلبية لخطابات الخصوصية، فإننا في الآن نفسه لا ننساق مع تلك النظرة التمجيدية لأوضاع النساء في الأنساق المهيمنة، لأن الانسياق وراء اعتبار الغرب مثالا مرجعيا في المساواة بين الجنسين، هو سقوط في النظرة الامبريالية التي تنطلق من مركزية متوهمة للغرب. 

وتبعا لذلك، فإذا كنا نرفض ونناضل بدون تنازلات في بعض الملفات من قبيل تزويج الطفلات وجرائم الشرف وإثبات النسب وغيرها، فإننا نرفض كذلك كل أشكال تشييء النساء وتبضيعهن، وهو ما تستمر الشركات متععدة الاستيطان في أوروبا وأمريكا الشمالية في استدامته، مما يكشف أنه رغم كل التراكمات الإيجابيات في قضايا المساواة، فإن النسق السوسيو ثقافي الغربي لا زال يستضمر صورا نمطية حول المرأة باعتبارها مصدر إغراء وخطيئة.   

إن الاشتراكيين الديموقراطيين في العالم، ومن خلال الأممية الاشتراكية يجب أن تكون سندا لكل نضالات النساء في دول الجنوب، خصوصا النساء في مناطق الحروب، النساء من المهاجرات غير النظاميات، النساء اللواتي يواجهن قيودا ثقافية وقانونية تحول تبطئ سيرورة التحرر، النساء ضحايا القهر الاجتماعي وغياب العدالة الاجتماعية والمجالية. 

 ولكن في الآن نفسه يجب على الديموقراطيين الاجتماعيين في العالم أن يتجنبوا السقوط في فخاخ المركزية الغربية، فالنضال الأممي من أجل المساواة الكاملة هو سيرورة تساهم فيها كل النساء في العالم، وكل المؤمنين بالأفق التحرري، ولا يوجد اليوم أي مرجع كوني ناجح ونهائي على الأرض، يمكن الاقتداء به.

  المساواة الكاملة هي أفق للمستقبل، سنسير له معا دون احتقار للذات ودون توهم المركزية كذلك.