ليست كل دعوة إلى الحوار تعبيرا عن الحكمة السياسية، كما أن ليس كل خطاب يستحضر السلام والتكامل والوحدة المغاربية يمتلك بالضرورة مقومات الرؤية السياسية المتماسكة، فقد تتحول المفردات النبيلة، حين تنفصل عن تحليل الوقائع وتحديد المسؤوليات، إلى غطاء لغوي يحجب جوهر الصراع، ويضع المعتدي والمعتدى عليه، أو صاحب المطالبة وصاحب الاعتراض عليها، في منزلة واحدة. وهذا ما يستدعي التوقف عند المداخلة التي قدمتها منسقة تحالف اليسار المحترمة خلال الجلسة العامة بمجلس النواب والمتعلقة أساسا بالقضية الوطنية الأولى، وخصوصا في الشق المرتبط بالعلاقات المغربية الجزائرية.
يجب أن نشيد أولا بأن المداخلة جاءت في سياق الدعوة إلى تجاوز التوتر بين البلدين، بخصوص الدفاع عن بناء فضاء مغاربي يسوده السلم والاستقرار، فذلك مطلب استراتيجي لا يختلف حوله اثنان ولا تتناطح عليه معزتان، لكن الإشكال يكمن في الطريقة التي جرى بها بناء الموقف، وفي الانتقائية التي حكمت توصيف الأزمة، وفي الامتناع عن تسمية المسؤوليات السياسية المباشرة عن استمرار النزاع، وحين تصبح المصالحة غاية منفصلة عن الحقيقة، ويتحول الحوار إلى بديل عن مساءلة أسباب الخلاف، فإننا لا نكون أمام مشروع سياسي لتجاوز الأزمة، وإنما أمام خطاب تصالحي يساوي بين الأطراف من حيث المسؤولية، دون أن يقدم الأدلة التي تبرر هذه المساواة.
ولهذا حتى نوضح الأمر لمن يهمه الأمر، وحتى لا ينسب لنا ما ليس فينا، بخصوص الشخصنة والعياذ بالله، أجمل مجموعة من الملاحظات كالتالي:
أولا: مغالطة التماثل بين المغرب والجزائر.
تقول المداخلة بأن استمرار القطيعة بين البلدين وحالة التوتر التي تعرفها المنطقة يشكلان استنزافا تاريخيا لشعوبها، في وقت تتكتل فيه القوى الإقليمية والدولية، هذا توصيف عام لا خلاف حول صحته من حيث المبدأ، لكنه يظل قاصرا سياسيا وتحليليا، ما دام يتعامل مع الأزمة باعتبارها حالة توتر متبادلة، دون تفكيك طبيعة النزاع ومصادره وترتيب مسؤوليات الأطراف المتدخلة فيه. ثم إن وضع المغرب والجزائر في كفة واحدة، من خلال الحديث المجرد عن القطيعة والعداء والتصعيد، يؤسس لمساواة غير موضوعية بين مواقف سياسية مختلفة، فالمغرب الذي يدافع باستماثة عن وحدته الترابية، ويطرح مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها أساسا عقلانيا وواقعيا لحل سياسي للنزاع، بينما تواصل الجزائر دعم جبهة البوليساريو سياسيا ودبلوماسيا وعسكريا، وتتمسك بمواقفها الرافضة للتصور المغربي للحل، وهذا ما يستدعي آليات النقد السياسي المسؤول والذي يقتضي التمييز بين طبيعة المواقف، وعدم اختزال النزاع في مجرد خلاف ثنائي متبادل بين دولتين مختلفتين، لأن المساواة بين ترتيب المسؤوليات بين الطرفين في مضمون الخطاب، لا تعني بالضرورة العدالة في التحليل، لأن العدالة تقتضي هنا تحديد مواقع الأطراف، وفحص طبيعة تدخلاتها، وقياس أثر قراراتها في استمرار النزاع، أما ونكتفي بالحديث عن توتر مغربي جزائري، دون مساءلة الدور الجزائري الأسود في الملف، فهو إفراغ للتحليل من مضمونه السياسي.
ثانيا: الحوار مع الجزائر ليس وصفة سحرية ولا بديلا عن تحديد شروط التسوية.
تدعو الكلمة حسب الناطقة بها، إلى إرادة سياسية شجاعة تفتح قنوات الحوار المباشر، وتعيد بناء الثقة، وتتجاوز منطق العداء والتصعيد، بما يخدم مصالح شعوب المنطقة، لكنها لا تحدد طبيعة هذا الحوار، ولا موضوعه، ولا مرجعياته، ولا الشروط السياسية التي يمكن أن تجعله منتجا. هنا حق لنا أن نتساءل: هل يتعلق الأمر بالدعوة إلى تطبيع العلاقات الثنائية وإعادة فتح الحدود؟ أم بمعالجة النزاع حول الصحراء؟ أم بمراجعة السياسة الجزائرية تجاه المغرب؟ أم بإعادة بناء الاتحاد المغاربي على أساس احترام السيادة الوطنية وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول؟
إن هذه الأسئلة بطبيعتها هي جوهر أي مشروع سياسي جاد للمصالحة، لكن لابد من الرد عليها بالدقة التي تقتضيها الإجابة، وليس توزيع المسؤولية على المغرب والجزائر في تحمل تبعات النزاع الذي نصر على أنه مفتعل وجزائري الطرح، لأن الحوار الذي لا يحدد موضوعه يتحول إلى مجرد أمنية دبلوماسية، والثقة التي لا تستند إلى التزامات متبادلة تصبح خطابا للاستهلاك السياسي، هنا لا يمكن مطالبة المغرب بمد اليد دون تحديد ما الذي ينبغي أن يتغير في الموقف المقابل، وما الضمانات التي تحول دون استمرار إنتاج أسباب الأزمة.
إن المغرب لم يغلق، من حيث المبدأ، باب التسوية السياسية، كما أن الدعوات الملكية العديدة سابقا إلى تجاوز الخلافات وبناء علاقات مغاربية جديدة تظل جزءا من التصور الاستراتيجي المغربي، لكن الاستجابة لهذه المبادرات لا يمكن أن تكون مسؤولية أحادية الجانب. وإذا كان تحالف اليسار يريد بالفعل بناء موقف سياسي متقدم، فكان عليه أن يوجه دعوة واضحة إلى الجزائر لمراجعة خياراتها الاستراتيجية، والانخراط في مناخ إقليمي جديد، بدل الاكتفاء بمناشدة عامة للطرفين من أجل تجاوز العداء وكأننا نحن من دعونا بوليساريو للانفصال ونحن من يسلحها خارج الشرعية.
ثالثا: تغييب الجزائر من دائرة المساءلة السياسية.
من أكثر ما يثير الاستغراب في هذه الكلمة، أنها تتحدث عن مخاطر الحرب، وعن المحاولات التي تسعى إلى إشعال فتيلها في المنطقة، لكنها لا تسمي الجهات المعنية، ولا تحلل مصادر التصعيد، ولا تتوقف عند طبيعة الخطاب السياسي والعسكري الذي يسم العلاقات المغربية الجزائرية. إذن كيف يمكن المطالبة بإطفاء فتيل الحرب دون مساءلة دور الجزائر التي تجعل المنطقة قابلة للاشتعال؟
فلتعلمي سيدتي أن الامتناع عن تسمية المسؤوليات لا يمثل البتة أية حياد سياسي، لكنه يكاد يتحول إلى شكل من أشكال التستر على الوقائع، وكما نعلم فإن فالسياسة هي القدرة على تحديد مراكز القرار، وفهم المصالح المتعارضة، وتحليل نتائج الاختيارات الاستراتيجية للدول، وليس مطلوبا أبدا من فريق تحالف اليسار أن يتبنى خطابا عدائيا تجاه الجزائر، وإنما المطلوب منه أن يمتلك الجرأة الفكرية والسياسية لمساءلة الدولة الجزائرية عن دورها في استمرار النزاع، وأن يميز بين رفض الحرب وبين السكوت عن أسباب التوتر.
رابعا: حين يصبح التاريخ مجرد عبء ينبغي التخلص منه.
تعتبر الكلمة أن مستقبل المنطقة ينبغي ألا يبقى رهينا لأحقاد الماضي ولا لحسابات القوى الدولية، وهنا تختلط مسألتان مختلفتان اثنتان، هما تجاوز العداء التاريخي، وإلغاء الذاكرة السياسية التي تساعد على فهم الحاضر، لأن كل استحضار للتاريخ ليس بالضرورة استدعاء للأحقاد، وليس كل إصرار على تحديد المسؤوليات نوعا من الارتهان للماضي.
ثم إن الدعوة إلى تجاوز الماضي تصبح ذات معنى عندما تقترن بمراجعة الحاضر، لا عندما تستخدم لمطالبة طرف بتعليق ذاكرته السياسية، بينما يستمر الطرف الآخر في تبني الخيارات نفسها التي أنتجت الأزمة، ومن غير المقبول أبدا أن تتحول المصالحة إلى ذريعة انتقائية، يطلب فيها من المغرب أن يتجاوز خلافاته، دون أن تقابل ذلك مراجعة سياسية حقيقية للموقف الجزائري الذي يتحمل المسؤولية كاملة.
خامسا: تناقض المرجعية اليسارية مع غياب التحليل الملموس.
كان يفترض أن يقدم تحالف اليسار قراءة نوعية بحكم المرجعية الفكرية والسياسية التي ينتسب إليها، وبحكم ما يفترض أن يميز اليسار من قدرة على تحليل علاقات القوة والمصالح والصراعات الإقليمية، لكن المداخلة، كما وردت على لسان الناطقة بها، تقدم خطابا أقرب إلى العموميات السياسية والأمنيات العاطفية بتوحيد المغرب الكبير، دون أن تستحضر بما يكفي المحددات الاقتصادية والعسكرية والاستراتيجية التي تتحكم في العلاقات بين الدولتين اليوم. فأين تحليل ميزان القوى في المنطقة؟ وأين تحليل توظيف النزاع في بناء الشرعيات السياسية الداخلية؟ وأين تفكيك العلاقة بين الصراع الإقليمي ومصالح القوى الدولية؟
إن اليسار الذي يتخلى عن التحليل الملموس للواقع الملموس، ويستبدل به خطابا أخلاقيا طوباويا مجردا، يفقد إحدى أهم أدواته في فهم السياسة، لأن التحليل اليساري كما علمنا الشهيد عمر بنجلون يبحث في البنيات والمصالح والقرارات التي تنتجها، ولا يكتفي بالدعوة إلى المصالحة بطريقة سطحية، لكنه يسائل شروطها وموازينها ومآلاتها..
سادسا: استقلالية المعارضة لا تعني الالتباس في القضايا السيادية.
لا أحد يطالب فريق تحالف اليسار بالتخلي عن استقلاليته السياسية، أو بالاصطفاف الآلي وراء المواقف الحكومية والرسمية للدولة المغربية، أو بالتنازل عن حقه في نقد السياسات المتعلقة بتدبير القضية الوطنية، مادمنا متفقين أن المعارضة الجادة مطالبة بممارسة رقابة صارمة على الدبلوماسية الوطنية، ومساءلة الحكومة عن نجاعة اختياراتها، وعن قدرتها على تعبئة الدعم الدولي، وعن حماية المصالح الاستراتيجية للمغرب، لكن استقلالية المعارضة لا تعني إنتاج مواقف ملتبسة تجمع المغرب والجزائر في كفة المسؤولية الواحدة، ولا تعفيها من تقديم أجوبة واضحة عن الأسئلة المرتبطة بالوحدة الترابية.
إن المعارضة المؤسساتية ضرورة وطنية لتقويم أداء للحكومة، كما أن النقد الديمقراطي لا يستلزم الحياد بين المواقف المتعارضة حول قضية السيادة، لأنه يمكن الاختلاف مع الحكومة في الوسائل والتقديرات، دون أن يتحول هذا الاختلاف إلى غموض في تحديد المصالح الوطنية، ففد كان بإمكان تحالف اليسار أن يقدم مداخلة أكثر قوة وعمقا، لو جمع بين الدفاع عن السلم المغاربي، والمطالبة بمراجعة الموقف الجزائري، والتأكيد على ضرورة الحل السياسي، والدعوة إلى تعزيز الديمقراطية والعدالة الاجتماعية في المنطقة.
ذلك هو التوازن الذي يحتاجه العمل البرلماني: استقلالية في النقد، ووضوح في الموقف، وشجاعة في تسمية المسؤوليات.
أخيرا: أي مغرب كبير نريد؟
إن الحديث عن فضاء مغاربي يسوده السلم والاستقرار والتكامل لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب نوستالجي يستعيد حلم الاتحاد المغاربي دون أن يفسر أسباب تعطله، فالاتحاد المغاربي الذي تم تعطيله، هو مشروع سياسي واقتصادي واستراتيجي يتطلب احترام مبدأ سيادة الدول، وتدبير الخلافات بالحوار، وعدم تحويل أراضي الدول ومقدراتها إلى أدوات للصراع الإقليمي.
لقد أصبحت كلفة التعطيل المغاربي أكبر من أن تحتملها شعوب المنطقة، فالملايين من الشباب يواجهون البطالة والهجرة، والاقتصادات المغاربية تفقد فرصا هائلة للتكامل التجاري والاستثماري، ولذلك فإن استمرار النزاع سيظل عائقا بنيويا أمام إمكانات التنمية والتحول الديمقراطي في المنطقة بأكملها، لكن المسؤولية عن تجاوز هذا الوضع لا تتحقق بتوزيع اللوم بالتساوي، وإنما بإرادة سياسية تعترف بالوقائع وتعيد النظر في السياسات التي جعلت الخلاف حالة مستدامة، والجرأة في قول الحق والتوجه للجزائر مباشرة لتحمل مسؤوليتها التاريخية قبل انتقاد الديبلوماسية المغربية.
ختاما وتأسيسا على كل ما سبق ذكره، لا مصالحة بلا حقيقة، ولا موقفا يساريا بلا شجاعة سياسية، لهذا فإن المأخذ الأساسي على مداخلة تحالف اليسار ليس أنها دعت إلى الحوار أو دافعت عن وحدة الشعوب المغاربية، فهذه مواقف مشروعة ومطلوبة ورصينة ندافع عنها جميعا ملكا وشعبا، وإنما لأنها لم تمنح القضية الوطنية ما تستحقه من تحليل سياسي وقانوني، ولم تتعامل مع مسؤولية الجزائر بالوضوح الذي تقتضيه خطورة ترتيب مسؤولياتها.
لقد قدمت المداخلة خطابا تصالحيا رومانسيا صحيح، لكنه محدود في قدرته على تفسير أسباب النزاع، ومتواضع في تسمية المسؤوليات، ومرتبك في التمييز بين المبادئ العامة والوقائع السياسية، والأخطر أنها توحي بأن تجاوز الأزمة يبدأ بتجاوز الذاكرة، بدل أن يبدأ بمراجعة السياسات التي أنتجت الأزمة، وهذا قلب لمنطق التسوية، لأن المصالحة لا تقتضي مطالبة المتضرر بالتنازل عن حقه في توصيف الواقع، وإنما بإيجاد شروط سياسية وقانونية تضمن عدم استمرار أسباب النزاع.
إننا لا نحتاج إلى يسار يزايد على أحد في الوطنية، ولا إلى يسار يردد الخطاب الرسمي دون مساءلة، وإنما نحتاج إلى يسار يمتلك استقلالية القرار وصرامة التحليل ووضوح الرؤية، يسار وطني يفرق بين التضامن مع الشعوب وبين الاصطفاف وراء خيارات الانتقاد الغير مبرر، وبين الدفاع عن السلام والتغاضي عن المسؤوليات.
إن الجزائر ليست خارج دائرة المساءلة السياسية سيدتي لمجرد أن الحديث عنها قد يحرج خطاب المصالحة، كما أن المغرب ليس مطالبا بتعليق دفاعه عن وحدته الترابية حتى يثبت حسن نيته تجاه جاره.
وفي النهاية، فإن بناء مغرب كبير يتطلب إرادة صريحة تعترف بأن استمرار النزاع حول الصحراء المغربية يمثل أحد أكبر معوقات التكامل المغاربي، وأن أي انفراج حقيقي يقتضي مراجعة المواقف التي تغذيه، وفي مقدمتها الموقف الجزائري، ثم من قال بأن المشكلة أن يختلف اليسار مع الحكومة في تدبير القضية الوطنية؟، فهذا حقه وواجبه السياسي، وإنما المشكلة أن يختلف معها دون أن يقدم بديلا سياسيا واضحا، وأن يدعو إلى المصالحة دون أن يحدد شروطها، وأن يتحدث عن السلام دون أن يمتلك الشجاعة الكافية لمساءلة الحزائى باعتبارها الطرف الأخير الذي تبقى ممن ساهموا في استمرار النزاع.
ذلك هو الفارق بين يسار يمارس السياسة بوصفها مسؤولية تاريخية، ويسار يكتفي بإنتاج خطاب أخلاقي مريح، لكنه يعجز عن مواجهة تعقيدات الواقع ومقتضيات الموقف الوطني.






