رأي

حنان فرطاس: "اتقوا الله في حزبكم"...

 هكذا تقولون لنا. ونحن نقول لكم: نعم، اتقينا الله فيه.....


دخلناه إلى البرلمان لا كاسمٍ نعلّقه على صدرنا، بل كإرثٍ نحمله. كنا نعرف أن الاتحاد لم يكن يوماً رقماً بين المقاعد، بل كان هناك زمنٌ كانت فيه الكلمة الاتحادية تُزلزل القاعة، لا بالصوت وحده، وإنما بالمعرفة، وبقوة الملف، وبوضوح الموقف. كان الكل ينتظر مداخلات الاتحاد، وكانت الآذان تُصغي حين يصعد الاتحادي إلى المنصة، لأن وراء الكلمة تاريخاً، ووراء السؤال موقفاً، ووراء المداخلة حزباً صنع لنفسه مكاناً في الحياة السياسية المغربية. كان الاتحادي يصعد إلى المنصة، فيصمت الجميع ليتعلم.


كانت أصواتٌ تصنع من المنصة مدرسة، ومن المعارضة فعلاً سياسياً، ومن السؤال مواجهةً حقيقية. لم تكن المداخلة دقائق تُملأ، ولا الكلمة مساحةً للظهور؛ كان وراءها تاريخٌ من النضال، وأسماءٌ صنعت للاتحاد مكانته، وإرثٌ نحمله اليوم. ذلك هو الإرث الذي حملناه.


وحين دخلنا المؤسسة، كنا نعرف أن الصفة النيابية ليست امتيازاً شخصياً، وأن المنصة ليست ملكاً لمن يقف فوقها، وأن السؤال ليس مجرد كلام يُقال ثم ينتهي. لذلك كنا ندرس ملفاتنا، ونبحث، ونتابع، ونُعد أسئلتنا ومبادراتنا، ونحمل قضايا الناس إلى المؤسسة كما ينبغي لمن يحمل اسم الاتحاد.


لكننا اكتشفنا، مع الوقت، أن بعض الأبواب لا تُفتح دائماً أمام من أعدّ ملفه، وأن بعض الأسئلة لا تصل إلى المنصة فقط لأنها لم تأتِ من الباب الذي اعتيد أن تمر منه. كنا نحمل ما يرفضه الآخرون، وحين أردنا أن نحمل ما اخترناه نحن، أُغلقت الأبواب.


وفي اللجان، بدأنا نكتشف أن للمعارضة جداراً غير مرئي، لا يُرى من بعيد، لكنك تصطدم به كلما اقتربت من ملف لا يُراد له أن يُفتح، أو سؤال لا يُراد له أن يُقال. كأن للكلمة سقفاً، وللسؤال حدوداً، وللمواجهة خطوطاً لا تُرسم على الورق، وإنما تُفهم بالإشارة.


كنا نظن أن المعارضة تقف في الجهة الأخرى من الطاولة، فإذا بالطاولة نفسها تمتد أحياناً إلى داخلها. وكنا نظن أن الحكومة هي التي ينبغي أن تتحسب من السؤال، فإذا بالسؤال يُطلب منه أن يتحسب من الحكومة.


كانت المعارضة تُدعى إلى أن تضع سيفها في غمده، وأن تدخل معركتها وهي تخشى أن تخدش خصمها. كان مطلوباً منها أن تكون موجودة، ولكن لا أكثر مما ينبغي؛ أن تسأل، ولكن ضمن حدود؛ أن تعارض، ولكن دون أن تُقلق كثيراً.


ومع ذلك، صبرنا... كل مرة.


صبرنا لأننا كنا نؤمن أن البيت الاتحادي أكبر من الأشخاص، وأن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى خصومة، وأن الانتماء إلى الاتحاد مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون موقعاً أو صفة.


وكنا نتألم حين يحيد أحدنا عن الخط الذي نراه لائقاً بالاتحاد، أو يستعمل لغةً لا تليق بمناضليه، أو يحوّل الاختلاف السياسي إلى إساءة. كنا نختلف، نعم، لكننا تعاملنا بأخلاقنا، وبأخلاق حزبنا؛ لأن الانتماء إلى الاتحاد ليس شعاراً يُرفع حين يناسبنا، بل سلوكٌ يظهر خصوصاً عندما نختلف.


ثم بدأت طلباتٌ تتوقف، ومبادراتٌ تتعثر، ووثائق لا تصل في وقتها، ونقاشات تُغلق قبل أن تبلغ مداها، وأعين تتابع ما قيل، ومن قاله، ومن تفاعل معه، ومن شكر، ومن أعجب به. وكانت هناك مداخلات تُوزع أحياناً بعيداً عن منطق الاختصاص، فيتحدث من لا يحمل الملف، ويُبعد من قضى وقته في دراسته وإعداده. وكأن هناك من يحمل الاسم، وهناك من يحمل ثقله.


والمنصة لا تصنع النائب؛ النائب هو الذي يعطي للمنصة قيمتها. والمداخلة ليست غنيمة، والكلمة ليست امتيازاً شخصياً، والصفة النيابية ليست بطاقة للظهور، بل أمانة أمام الناس والتاريخ.


لذلك، حين تقولون لنا: «اتقوا الله في حزبكم»، نقول لكم: ومن يتقي الله فينا؟


من يحمي الحزب حين يصبح المناضل نفسه مطالباً بحماية حقه في الكلام؟ ومن يصون بيتاً سياسياً إذا صار الاختلاف داخله يُعامل كخروج، والنقد كتمرد، والصوت الحر كإزعاج؟


الحزب ليس ملكاً لأحد. الحزب ذاكرة مناضليه، وعرق أجيالهم، وتضحيات من سبقوهم، وصوت الذين ظلوا يؤمنون به حين كان الإيمان به كلفةً لا امتيازاً.


واليوم نقول لكم: اتقوا الله فينا، في المناضلين، في الاتحاديات والاتحاديين، وفي أصواتهم التي لا ينبغي أن تتحول إلى همس داخل بيتٍ كان يوماً مدرسةً في الاختلاف والنقاش والمواجهة.


اتقوا الله في حزبٍ نريده كما عرفناه: حزباً تكون فيه الكلمة لها وزن، والاختلاف ليس خيانة، والنقد ليس جريمة، والمناضل ليس رقماً يُستدعى حين يحتاج صوته ثم يُنسى حين تنتهي الحاجة إليه.


خمس سنوات وأنا أتحمّل تعازي الناس داخل مؤسسةٍ كان فيها من الاتحاديين أكثر مما كان في الفريق الذي أمثّله؛ خمس سنوات وأنا أحمل اسم الاتحاد وثقله وإرثه، وأسمع من يرثيه أمامي، حتى وجدتني أعيش المفارقة الأقسى: أحمل حزباً حيّاً على كتفي، وأُطالب في الوقت نفسه بأن أكون شاهدةً على موته.


                            افتحوا النوافذ.


لقد سئمنا تعازي الناس في حزبٍ نحمل ثقله داخل المؤسسة وخارجها، ونحمل اسمه وإرثه حيثما ذهبنا. سئمنا أن نلتقي بمن يقول، وكأنه يرثي جزءاً من نفسه: «أنا اتحادي... لكنهم خذلوني.»


كان الاتحاد يوماً بيتاً يتسع للجميع، ومدرسةً وذاكرةً وموقفاً وبيتاً سياسياً. وكان المرء يقول: «أنا اتحادي» فتُفهم الحكاية كلها.


        كان الكل اتحادياً... حتى خذلتموه.


فلا تلوموا من غادر بيته، قبل أن تسألوا: من الذي دفعه إلى الباب؟ ولا تلوموا من حمل مرارته معه؛ فالمرارة لا تولد من الفراغ، وإنما من خيبةٍ تراكمت، ومن صوتٍ طُلب منه أن يصمت مرةً بعد مرة، حتى صار الصمت نفسه عبئاً.


لا تجعلوا الانتماء إلى الاتحاد حكايةً تُروى بصيغة الماضي. أعيدوا لهذه الكلمة وزنها، وأعيدوا للمناضل مكانته، وللاختلاف حقه، وللحزب روحه.


لقد آن الأوان أن تتقوا الله فينا..... 


لقد صبرنا، وتحملنا، وسكتنا حين كان الصمت عندنا حفاظاً على البيت لا خوفاً من أحد. أما الآن، فلن نصبر على أن يتحول الصبر إلى إذنٍ بالصمت.


لا نريد تعزية.

لا نريد مرثية.


نريد حزباً يستعيد صوته، ومناضليه، ومساحته الطبيعية في الاختلاف والمواجهة.


                              نريد حياة.


فنحن أحياء، فلا تعزّونا في أرواحٍ ما زالت فينا، ولا ترثوا حزباً ما زال يسكننا. نحن لسنا بقايا اتحادٍ تنتظرون لها مرثية؛ نحن مناضلوه الأحياء، وصوته الذي لم يُدفن، وروحه التي لم تنطفئ.


فلا تعزّونا...


         افتحوا النوافذ، ودعوا الاتحاد يتنفس.